رام الله | داخل خيمة منصوبة في حرم جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، عُقدت مناقشات بين نشطاء مؤيدين للقضية الفلسطينية، وآخرين مؤيّدين لإسرائيل. بعد نقاش «موضوعي وعلمي»، وحديث مطول عن «الديموقراطية» «والحق التاريخي»، والجذور العتيقة في المنطقة، من قبل الطلبة اليهود، يسأل محمّد خطيب، وهو طالب ماجستير من فلسطينيي الأراضي المحتلة، إحدى اليهوديات الكونغوليات: «لماذا لكم الحق في أن تحتلوا أراضي الفلسطينيين وتطردوهم منها وتسكنوا فيها»؛ فأتت الإجابة المسلّم بها والمعدّة سلفاً: «لأننا شعب الله المختار».

تلك المناظرات هي واحدة من الفعاليات المتعددة التي شهدها أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي في مدينة كيب تاون، وهي واحدة من 250 مدينة عبر العالم يُقام فيها هذا الأسبوع. محمد ناشطٌ في «أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي»، بينما الفتاة الكونغولية ناشطة في حملات الدعاية المضادة، أو ما يُطلق عليها بالعبرية «هاسبراه»، وتعني بروباغندا.
أسبوع الأبارتهايد، الذي تجري فعالياته للعام الثامن على التوالي، يشهد زخماً متنامياً عاماً بعد عام؛ فمن 40 مدينة شاركت في إحيائه قبل عامين، وصل العدد إلى 100 مدينة في العام الماضي، الى أن بلغ 250 مدينة هذا العام. وكان أسبوع الأبارتهايد هذا العام قد بدأ في أميركا، الولايات المتحدة وكندا، في الرابع من الشهر الجاري واختُتم في الثامن منه، ثم انتقل الى جنوب أفريقيا في 11 الجاري واختتم في 17، وفي فلسطين بدأ في الثامن من الشهر واختتم بـ 15، فيما بدأ بأوروبا في العاشر من الجاري ويتوقع أن يختتم أعماله في 25 الشهر، أي يوم الاثنين المقبل.
ويتضمن الأسبوع فعاليات مختلفة من محاضرات وندوات وأفلام توثيقية وتظاهرات عبر العالم. يقول منظّموه إن «فكرة هذا الأسبوع مستلهمة من حركة مقاومة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا في السبعينيات والثمانينيات». تلك الحركة التي أفضت إلى مقاطعة عالمية لنظام الفصل العنصري فيها، وهو أحد الأهداف التي رسمتها اللجنة المنظمة لهذا الأسبوع، إضافة إلى «تطبيق الانسحاب من الضفة وغزة، والقرار (194) الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم، ووقف سياسة التفرقة تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة».
في موازاة ذلك، تقيم حركة «هاسبراه» أسبوعاً تطلق عليه اسم «أسبوع السلام الإسرائيلي»، ويمتد خلال الفترة الزمنية ذاتها التي يقام فيها أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي، في محاولة منها لممارسة عملية التعمية، والدعاية المضادة. انطلقت حركة «هاسبراه» عام 2001، إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في محاولة منها لتجميل صورة إسرائيل في وقت الحرب. وأُنشئت بتعاون مشترك بين منظمة تطلق على نفسها «نار التّوراة» (The fire of Torah)، ووزارة الخارجية الإسرائيلية. تقوم منظمة «نار التوراة» بجلب الطلبة الإسرائيليين من الخارج إلى إسرائيل، وبتمويل من وزارة الخارجية. ويتلقى الطلاب لمدة 16 يوماً، دورات مكثفة عن «تاريخ إسرائيل القديم والحديث»، ومهارات التواصل والإقناع، إضافة إلى طقوس السبت وتعلم التوراة، بهدف تعزيز «الهوية اليهودية» لدى الطلاب.
يتحدث الناشط معاذ خطيب بانفعال عن الأساليب الملتوية لجماعات «هاسبراه» في الترويج للبروباغندا الإسرائيلية، ويقول «تنصب الجماعات اليهودية خيمة مقابل خيمتنا، يعرضون فيها مغريات كثيرة بهدف استقطاب الطلاب، ويقدمون الفلافل والحمص، الأكلات الفلسطينية الشعبية، على أنها أكلات إسرائيلية أصيلة». ويستطرد: «ما نعرضه من صور للمجازر الإسرائيلية في غزة يعرضونها على أنها صور مفبركة، ويسهبون في الحديث عن ديموقراطية إسرائيل. وفي المقابل يخلصون إلى نتيجة مفادها أننا إرهابيون».
وعلى ذلك، يمكن القول إنّ حملات تبييض الوجه التي تمارسها جماعات «هاسبراه»، متصلة بحملات ممنهجة لتشويه الوجه الآخر. وفي المقابل، فإن الصورة الديموقراطية التي تحاول تلك الجماعات وسم إسرائيل بها، تأتي كمحاولة للخلاص من تهمة الفصل العنصري، ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما قامت به إسرائيل في العام الماضي، عندما بعثت فتاة فلسطينية مسلمة لتتحدث عن «ديموقراطية إسرائيل».
ورغم محاولات التشويش المضادة، لا تزال حملات المقاطعة تلقى صدى واسعاً، ولا سيما في أوساط المجتمع المدني في دول مختلفة. وفي أسبوع أبارتهيد هذا العام، قامت مجموعة من الطلاب الناشطين في الحملة بطرد نائب السفير الإسرائيلي من جامعة «إسيكس» في بريطانيا، على غرار ما جرى للسفير الإسرائيلي في جامعة كاليفورنيا عام 2011. جامعة «إسيكس» ذاتها استقبلت محاضرة بعد أيام قليلة لعضو اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل حيدر عيد، تحدث فيها بإسهاب عن سياسات إسرائيل العنصرية، وأكد في حديث لـ«الأخبار» أن «حملات المقاطعة لاقت استجابة من بعض المؤسسات على مستوى العالم». وأوضح «قامت جامعة «جوهانسبرغ» بقطع علاقاتها مع جامعة «بن غوريون» الإسرائيلية، وألغت العديد من البلديات عقودها مع شركة «فيوليل» لسكك الحديد بسبب بنائها سكة حديد بين تل أبيب والقدس على أراض محتلة، وهناك فنانون كألفيس كوستيلو، وداستن هوفمان، وميغ رايان قرروا إلغاء مشاركاتهم في أية نشاطات فنية تقام في إسرائيل». ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أنّ الأمن الجامعي في جامعة «كيب تاون» نظم تظاهرة الأسبوع الماضي ضد شركة «G4S» البريطانية التي تقدم خدمات أمنية لإسرائيل، إضافة إلى عدم تجديد الاتحاد الأوروبي عقودها.
وفي هذا السّياق، ثمّة مفارقة ساخرة تجدر الإشارة إليها: شركة «G4S» التي تقدم خدمات أمنية لمصلحة السجون الإسرائيلية، ولأمن المستوطنات، تقيم فروعاً لها في دول عربيّة مثل مصر والإمارات ولبنان. وبينما تقاطع جامعات عالمية الجامعات الإسرائيلية، تعلن جامعة «باريس 7» عن مشروع بعنوان «التحليل النفسي والطب»، يجمع جامعة «القدس المفتوحة» في فلسطين بجامعة «بن غوريون»، والهدف إحداث التقارب بين الطلبة الفلسطينيين والإسرائيليين.