بغداد | «ما تغيّر شي؟»، قالها سائق التاكسي متحسّراً، وهو يقود سيارته ببطءٍ في أحد شوارع بغداد المزدحمة. جاسم حميد، ذو الـ44 عاماً، شارك في الحرب العراقية الإيرانية، وخاض حرب الكويت، كما كان شاهداً على الحرب الأخيرة «حرب الـ2003». بينما يتنهد جاسم على سني عمره التي ضاعت في المعارك، يروي تفاصيل لجوئه وعائلته إلى محافظة ديالى هرباً من الجحيم الذي ألقته الطائرات الأميركية والبريطانية على بغداد تحديداً في الحرب الأخيرة. لم تتغير الأحوال كثيراً بالنسبة إلى جاسم الذي عاصر حقبتي قبل صدام حسين وبعده، «كنا نحن شباب ذلك الوقت نموت في الجبهات، واليوم يموت شبابنا على أيدي الإرهابيين». يبدل جاسم أجواء الحديث، حيث يبتسم قائلاً «أما أنا فكنت أملك سيارة تويوتا قديمة أسترزق منها، والآن عندي سيارة سايبة إيرانية المنشأ. تبدّلت السيارة ولكني ما زلت أعمل سائق تاكسي».

لم تثنِ زحمة الطريق سائق التاكسي عن مواصلة الحديث: «كل فترة لها سلبياتها وإيجابياتها. ففي السابق لم يكن باستطاعتنا أن ننتخب ونعبّر عن اقتناعاتنا بحرية، نظراً إلى وجود الدكتاتورية. أما الآن فيمكننا أن ننتقد الرئيس بحرية». يستدرك جاسم «إلا أننا في السابق لم نعانِ من الطائفية التي نعاني منها اليوم. حالنا اليوم كمن يجري بالطول وآخر يجري بالعرض».
على العموم، لا يهتم العراقيون كثيراً لذكرى احتلال العراق. أولئك البسطاء في الأسواق الشعبية بين المحال، راكبو سيارات النقل العمومي، غالبيتهم يبدون مشغولين بمتطلبات الحياة اليومية. حتى الصحافة والإعلام المحليين لهما ما يشغلهما عن هذه الذكرى، إذا ما قورنا بالإعلام والصحافة الإقليميين والدوليين لناحية تناولهما هذه الذكرى.
أم آية (30 عاماً)، موظفة حكومية، تعتقد أن تعقيدات الحياة على صعيد العمل والعائلة أنستها قرب مرور الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، «لو يستثيرني التساؤل عن ذكرى حرب العراق لما كنت قد تذكرت، فحياتنا حالياً أكثر تعقيداً من تلك التي عاشها أهلنا في السابق خلال فترة نظام صدام حسين، الحياة أصبحت أسرع وأصعب في الآن ذاته».
لكن بالنسبة إلى أم آية، الوضع الحالي أفضل من سابقه قبل حرب عام 2003، حيث تقول «في السابق كنا مضطهدين لا يسمح لنا بممارسة شعائرنا الدينية بحرية، كما كان النظام السابق يقصينا عن الحياة السياسية». السيدة لم يفتها أن تؤكد أن النظام الحالي لا يمثل غاية طموحها، ولكن «اليوم نمتلك حقوق الترشيح وانتخاب ممثلينا، في ظل وجود دستور ينظم الحياة في البلاد، إلا أننا نطمح إلى المزيد من ذلك، وأعني ترسيخ مفاهيم الديمقراطية في البلاد ولدى الشعب، حيث يتطلب ذلك المزيد من الوقت».
وبالنسبة إلى المستوى المعيشي للفرد العراقي، أشارت أم آية إلى ارتفاع نسبة دخل الفرد العراقي عن مثيله مقارنة بالنظام السابق: «دخل الفرد تطور وتضاعف عما كان يجنيه في السابق، وتحديداً بالنسبة إلى الموظف الحكومي، فله اليوم الكثير من الامتيازات التي لم يكن يحلم بها في أيام صدام»، مستدركة «ولكن في المقابل، ارتفعت أسعار المعيشة والمواد الاستهلاكية في البلاد، ودخلت الأغراض الكمالية الى جدول ميزانية عوائل العراق ما حمّلها أعباءً جديدة، نظراً إلى تطور الحياة في العراق. كل ذلك حمّلنا المزيد من الأعباء الاقتصادية التي يسدها راتبنا الشهري أحياناً، وأحياناً أخرى لا».
وبعيداً عن الأجيال التي عاصرت كلتا الحقبتين، هناك جيل جديد عقب حرب عام 2003، وهو جيل التسعينيات الذي يشرف طلابه على التخرج من الدراسة الجامعية. بالنسبة إلى هذا الجيل فهو لا يذكر حقبة صدام حسين، وأغلب ما يعرفه عن تلك الفترة هو مجرد قصص يرويها له أباؤه وأجداده.
داخل أروقة كلية الرافدين (جامعة خاصة) في العاصمة بغداد، كان يتجمع عدد من طلبة القانون قرب صفوفهم الدراسية بعدما أكملوا حصصهم المقررة. لدى سؤالهم عن ذكرياتهم عن حرب عام 2003، يذكر كرار رحمن (19 عاماً) «قررت إدارة المدرسة آنذاك تعطيل الدراسة، وأخبرونا أن المدرسة ستتحول الى مقر حزبي (مقر متحرك لعناصر حزب البعث)، ولذا كنا سعيدين جداً، حيث أذكر كيف قضينا ذلك اليوم باللعب». ويسرد كرار كيف قرر والداه اللجوء الى الخالص هرباً من الحرب التي لم تكن قد بدأت بعد، «كان الطريق الى منطقة الخالص بمثابة رحلة بالنسبة إلي، لم أكن أدرك معنى أن العراق على أبواب الحرب».
ويشير كرار إلى أنه «بالرغم مما نسمعه بشأن اضطهاد صدام للشعب وممارساته، كانت فترته أفضل من ناحية الأمان والاستقرار. كانت العوائل تحرص على أن تتجمع وتسافر الى محافظات أخرى، يصعب الدخول إليها الآن. أما بالنسبة إلى المستوى التعليمي، فإنه كان متقدماً آنذاك إذا ما قورن بتراجعه هذه الايام. فالجامعات العراقية كانت تصنّف من الأفضل في المنطقة». ويواصل كرار حديثه «إذا ما طرح علي الخيار بين خلع صدام وبقاءه، لاخترت بقاءه، فالعراق لا يزال يقدم الشهداء وإن اختلف قاتلهم».
هنا يتدخل محمد علي (طالب آخر) لمقاطعة زميله بالقول «المقارنة غير جائزة بين المرحلتين، لأننا كنا صغار السن، حيث نسمع الكثير من المآسي التي كان يعاني منها آباؤنا وأعمامنا خلال فترة صدام». يسأله كرار لو خيّرت بين «أمان أيام زمان» والديموقراطية، أيهما كنت لتختار؟ يسود جو من الصمت يكسره محمد بالجواب «الأمان».