القاهرة | بخطى ثابتة، تستعد الحكومة المصرية لتقديم برنامجها الاقتصادي المعدل إلى صندوق النقد الدولي طمعاً في الحصول على قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار، يظن من يستمع إلى تصريحات المسؤولين المصريين أن مصير البلاد وانتشالها من انهيارها الاقتصادي بات يتوقف عليه، وأن كل الخيارات الاقتصادية الأخرى لن تجدي نفعاً.


في المؤتمر الصحافي الذي عقدته وزارة المال أمس للاعلان عما يسمى «برنامج الصلاح الاقتصادي والاجتماعي» الحكومي، الهادف إلى خفض العجز في الموازنة العامة تدريجياً واعادة ترميم الاحتياطي من النقد الاجنبي، كان يمكن التقاط اشارات لا تخطئها العين تؤكد انحياز الحكومة لخيارات لن تكون إلا على حساب الفقراء الذين سيلقى على عاتقهم تحمل الكلفة الأكبر من الاصلاحات المطلوبة من الصندوق. فبالرغم من أن وزير المال المرسي حجازي تحدث عن ضرورة توزيع الاعباء على افراد المجتمع على نحو يتحمل الأغنياء فيه الكلفة الاكبر، أعلن مساعده هاني قدري دميان، في اطار البرنامج الذي ستحيله الوزارة لمجلس الشورى خلال يومين قبل ارساله للصندوق، عن رفع أسعار الطاقة على المصانع كثيفة الاستهلاك وصولاً الى رفع الدعم نهائياً عنها وبيعها بسعر التكلفة خلال ثلاث سنوات. واقع الأمر يشير إلى أن المستهلكين سيتحملون هذه الكلفة عبر ارتفاعات لاحقة في أسعار السلع وعلى رأسها الحديد والاسمنت، وهو ما سيرفع كلفة العقارات الى مستويات قياسية، لا سيما أن الاجراءات الجديدة تأتي متزامنة مع ارتفاعات في أسعار الحديد والاسمنت نتيجة اتجاه المصانع الى التصدير للاستفادة من الارتفاعات الفائقة في اسعار الدولار في مواجهة الجنيه المصري الذي لا يمر يوم إلا ويسجل فيه انخفاض جديد أمام الدولار. أسباب تجاهلها مساعد الوزير، الذي لم يتردد في تحميل المستهلكين المسؤولية عن هذا الارتفاع نتيجة ما سماه «المطالبات الفئوية» في اشارة إلى ارتفاع الاحتجاجات المطلبية، مشيراً إلى أنها تثقل اصحاب العمل بكلفة رفع الأجور ومن ثم فهم يمررون تلك الارتفاعات للمستهلكين. وطالب بوقف الاضرابات والاعتصامات العمالية الى حين رفع الانتاجية أولاً.
لكن هل يتحمل العمال أيضاً مسؤولية تمرير الاجراءات الضريبية التي سبق أن جمدها الرئيس قبل أشهر بعد ساعات من اقرارها؟ فالبرنامج المعدل قلص ضرائب المبيعات لتشمل ستة سلع بدلاً من 25 سلعة في الخطة السابقة بحيث تشمل الخمور والمشروبات غير الكحولية والسجائر والحديد والاسمنت والاتصالات. كما حدد البرنامج ضريبة الدمغة لتشمل ثلاثة سلع بدلاً من 20 سلعة. كما وحد البرنامج الضريبة على الشركات عند 25 بالمئة بدلاً من توزيعها على شريحتين بنسبة 20 في المئة و25 في المئة وفرض ضريبة دمغة بنسبة واحد في الألف على المعاملات في البورصة، التي أغلقت على هبوط.
وبدا واضحاً من البرنامج أن الحكومة اختارت أقصر الحلول لتغطية فشلها في اعتماد حلول أقل تكلفة، في ظل عدم استعدادها لتنفيذ تعهد مرسي في برنامجه الانتخابي باقرار تسعيرة جبرية في مواجهة موجات التضخم القياسية أو حتى الحفاظ على نصيب يذكر من الاقتصاد الحقيقي في يد الدولة تواجه به الاحتكارات. كما تجاهلت الحكومة في برنامجها خططاً فعلية لمكافحة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة من الدولة على مدى الأعوام الماضية. ولأن قرب تجدد المفاوضات بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي يتزامن مع انهيار غير مسبوق في الاقتصاد المصري مترافق مع عدم استقرار سياسي متواصل، خرجت الأصوات المنادية بضرورة تأمين حد أدنى من الاستقرار السياسي ولا سيما أن الدعم الداخلي يعتبر حاسماً للاصلاحات والحصول على القرض ومن ثم حزمة أخرى من التمويلات الخارجية تقدر بـ14 مليار دولار.