القاهرة | كلمة السر بضرورة إجراء الانتخابات البرلمانية في مصر بمشاركة المعارضة بدت أمس أنها صادرة من الولايات المتحدة وليس فقط من مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان المسلمين، في ظل خشية أميركية واضحة من تداعيات حالة اللااستقرار في مصر واحتمالات تفاقمها، وخصوصاً بعدما بدأت تنعكس سلباً على الاقتصاد المنهار.

لكن دعوة وزارة الخارجية الأميركية أمس لجبهة الإنقاذ الوطني بضرورة تغيير قرارها القاضي بعدم المشاركة فى الانتخابات البرلمانية في مصر، بوصف «الانتخابات تمثل فرصة للمصريين لإسماع أصواتهم» لم تكن الإشارة الوحيدة الدالة على رغبة أميركية في إجراء الانتخابات. وسبق ذلك أنباء عن ممارسة وزير الخارجية الأميركي جون كيري ضغوطاً على جميع القوى السياسية المصرية، للجلوس إلى طاولة الحوار. ووفقاً لهذه المصادر، أجرى كيري اتصالات عبر السفارة الأميركية بمؤسسة الرئاسة المصرية ومكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، وعدد من قيادات الجبهة الوطنية للإنقاذ، أبلغهم فيها، وفقاً لما نقلته «روسيا اليوم»، أن الولايات المتحدة «لم تعد تتحمل حالة عدم الاستقرار في مصر، والتي تنعكس على المنطقة وتسمح للعناصر الجهادية بتشكيل خلايا نائمة لها في المنطقة، الأمر الذي من شأنه تهديد دول المنطقة والمصالح الأميركية».
كذلك ترافق الدعم السياسي الأوضح لمرسي ومن خلفه جماعة الإخوان المسلمين مع دعم عسكري، بعد تأكيد الخارجية الأميركية أن واشنطن وافقت على «ترخيص لتصدير وشحن مكونات أميركية الصنع، غير قاتلة، للحكومة المصرية بغرض مكافحة الشغب»، على اعتبار «أنه عند استخدام هذه المنتجات على النحو المناسب فإنها يمكن أن تنقذ الأرواح وتحمي الممتلكات»، في إشارة إلى صفقة قنابل الغاز المسيلة للدموع التي تعاقدت عليها الحكومة مع شركة «كومبايند تاكتيكال سيستم» التي تشارك في تطوير أسلحتها معامل وزارة الدفاع الإسرائيلية.
هذا الدعم الأميركي العلني لم يثن جبهة الانقاذ عن إعلان مقاطعتها للحوار الوطني الذي عقدت أمس جلسة إضافية له، فضلاً عن مقاطعتها للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً.
وفيما بدا أن المقاطعة ليست نهائية، اشترطت الجبهة ضمانات جادة لنزاهة الانتخابات المقبلة، أوضح نقيب الصحافيين سامح عاشور، في مؤتمر صحافي بعد اجتماع الجبهة، أنه «لا انتخابات على جثث شهداء، ولا انتخابات قبل تحقيق الاستقلال الحقيقي للقضاء وفك الحصار عن المحاكم، وإقالة النائب العام وتعيين نائب عام جديد يختاره المجلس الأعلى للقضاء». كذلك طالب بإقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة انتقالية تضمن نزاهة الانتخابات المفترض أن تبدأ في 22 نيسان المقبل. وهاجم عاشور جماعة الإخوان المسلمين، معتبراً أنها خاطفة للسلطة. وأضاف «رفضنا أن نكون ديكوراً لنظام يغتصب السلطة ويستولي عليها من دون أن يمكّن شركاءه في الثورة من وضع آرائهم ورؤيتهم لمستقبل مصر».
وجاء قرار الجبهة الموحد بالمقاطعة بعد تباين في وجهات نظر الأطراف المشاركة فيها. وهو ما انعكس في كلام رئيس حزب المؤتمر والقيادي في الجبهة عمرو موسى، الذي أشار إلى إن هناك من كان يرى ضرورة المشاركة في العملية الانتخابية، لكن «جبهة المقاطعة غلبت في النهاية وأصبح قرار الجبهة هو مقاطعة الانتخابات المقبلة». وفيما أشار إلى أن «الحفاظ على وحدة الجبهة هدف أساسي أمام أعضاء الجبهة بالكامل»، بدت جماعة الإخوان المسلمين متيقنة من أن الجبهة قادمة على انشقاقات بسبب الانتخابات، وخصوصاً بعد التسريبات عن رغبة حزب المؤتمر والوفد في المشاركة في الانتخابات.
ورأى المتحدث الإعلامي باسمها ياسر محرز أن قرار الجبهة بالمقاطعة ما هو إلا «انتحار سياسي». وأضاف، الجبهة تسحب نفسها من العملية السياسية في الفترة المقبلة لأن «البرلمان المقبل هو من سيشكل الحكومة، وكان بإمكانهم إن استطاعوا أن يحصلوا على الأغلبية ويشكلوا الحكومة المقبلة، لكنهم يعرفون أن رصيدهم في الشارع أصبح ضعيفاً جداً بدليل المشاركة الضعيفة في التظاهرات التي دعت إليها في الفترة الأخيرة».
موقف الجبهة المقاطع للانتخابات انسحب أمس على المشاركة في الحوار الوطني الذي دعت إليه مؤسسة الرئاسة أمس، بالرغم من لجوء مرسي إلى بث الجلسات على الهواء، رغبةً منه في ثني المعارضة عن قرارها بالمقاطعة، وظناً منه أن البث على الهواء يؤكد الجدية في مناقشة مختلف المواضيع. لكن المعارضة رفضت الحوار «لأن الحديث أو الحوار الذي تمت الدعوة إليه سيكون بلا جدوى في ظل افتقاره إلى ضمانات تسمح بتنفيذ ما سيتم التوصل إليه من اتفاقيات». كذلك اعتذرت الكنائس المصرية الثلاث عن المشاركة، لأن كل ما طرحه ممثلو الكنائس الثلاث الذين شاركوا في الجلسات السابقة للحوار لم يؤخذ مأخذ الجدية من جانب الرئاسة.
هذه المقاطعة انعسكت من خلال اقتصار المشاركين في الحوار على أحزاب غلب عليها التوجه الإسلامي.
بالرغم من ذلك، حرص الرئيس محمد مرسي، الذي افتتح الحوار، على مطالبة الأحزاب المقاطعة بأن تحضر إلى الجلسات، مشدداً على ضرورة «خروج الانتخابات البرلمانية القادمة بأكبر قدر من النزاهة والشفافية».
أما رئيس حزب النور يونس مخيون، فأوضح على الهواء مباشرة أنه سيسلّم «الرئيس محمد مرسي ملفاً بشأن تعيين 13 ألف موظف في محافظات الجمهورية، ينتمون إلى فصيل سياسي واحد»، في إشارة إلى الاتهامات التي يوجهها حزب النور لجماعة الإخوان المسلمين بأخونة مؤسسات الدولة.
في هذا الوقت، أشار رئيس حزب «النور» السلفي يونس مخيون، إلى انه «لا يمكن أن نطلق على الانتخابات المنتظرة تسمية انتخابات الفرصة الأخيرة للخروج إلى مرحلة مستقرة»، مطالباً المحكمة الدستورية بـ«سرعة البت في قانون الانتخابات بعد تعديلات الشورى عليه وفقاً لحكمها الأخير».
وعلى وقع التطورات السياسية، استمرت الاحتجاجات في الشارع، سواء في القاهرة أو باقي المحافظات. ففي القاهرة، نجح المحتجون في إعادة إغلاق ميدان التحرير بعد ساعات من قيام القوات الأمنية بفتحه واعتقال عدد من المحتجين في ساعات الفجر.