بيت لحم | عند مدخل مخيّمي عايدة والعزّة في مدينة بيت لحم، وعلى بعد عشرات الأمتار من قبة راحيل والبرج العسكري الإسرائيلي، القائم على الجدار الفاصل المارّ من المنطقة، يتكثّف انتشار عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي تمنع أيّ محاولات من شبّان المخيّمات لرشق النقطة العسكرية بالحجارة، أو مهاجمتها بالزجاجات الحارقة، كما حدث خلال الشهرين الماضيين.

وفي مخيم قلنديا، جنوب رام الله، تداهم قوات أمن السلطة المخيم بحثاً عن سيارة قيل إنّها لوزير إسرائيلي استولى عليها شباب فلسطينيون. وتنفذ شرطة السلطة حملات تفتيش وتخوض مواجهات مع أهالي المخيم، الى أن تصل الى السيارة وتسلمها لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
يمثل المشهد الأول صورة مخفّفة لما تسمّيه السلطة التزاماتها الأمنية، وما يسمى شعبياً «التنسيق الأمني»، الذي تختلف أشكاله ومستوياته ويجاهر به الناطقون باسم الأجهزة الأمنية. وهو في حالة مخيّمات بيت لحم، يتمثّل بقيام الأمن «الفلسطيني» بمنع وصول الفلسطينيين إلى نقاط التماس مع الاحتلال، وتحذير عائلات الشبان من مغبّة مشاركة أبنائهم في المواجهات. وهذا ما قامت به هذه القوات في المواجهات التي اندلعت قبل أسابيع مع الاحتلال في الخليل.
المشهد الثاني يوضح إلى أي مدى تجتهد الأجهزة الأمنية لإثبات كفاءتها وسيطرة قبضتها الأمنية على بؤر التوتر العديدة، وإن كلّف ذلك خوضها مواجهات يسقط فيها ضحايا من اللاجئين في المخيمات؛ تلك التي أصبحت عنوان التوترات الميدانية في المواجهة مع الاحتلال، وفي الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة ضدّ نهج السلطة.
ويمكن القول إنّ مشهد الضفة في الأشهر الأخيرة يدل على اعتماد السلطة نهج المواجهة الأمنية مع المشاكل الداخلية، وتحديداً مع المخيمات، بدءاً من الحملة الأمنية المتواصلة في مخيم جنين، والتي أسفرت عن سقوط قتلى واعتقال قيادات ميدانية من حركة «فتح» وعناصر سابقين في جناحها العسكري، كتائب شهداء الأقصى. ولا يلبث هذا المخيم أن يعود إلى واجهة الأحداث مع كل حملة أمنية تنفذها السلطة فيه.
وليس بعيداً عن مخيم جنين، نفذت السلطة حملة أمنية على مخيم بلاطة، شرق نابلس، قبل أشهر، أسفرت عن اعتقال عناصر من كتائب شهداء الأقصى. وهؤلاء خرجوا في تظاهرة مسلّحة في المخيم قبل أسابيع، مطالبين بوقف حملة الأجهزة الأمنية ضدّ كوادر حركتهم. وأثارت هذه التظاهرة موجة لغط، بما أن المسلحين أعلنوا في وسائل إعلام إسرائيلية أنّهم لا يرفعون السلاح في وجه إسرائيل، بل لاسترداد حقوقهم ووقف إذلالهم المستمر على أيدي الأجهزة الأمنية. وكالعادة، استخدمت الأجهزة الأمنية خيار الحسم الميداني، فاعتقلتهم مرّة أخرى ووسعت حملاتها على المخيم.
في العشرين من الشهر الماضي، تظاهر أهالي مخيم الأمعري في رام الله احتجاجاً على اقتحام قوّات من أمن سجون الاحتلال الإسرائيلي لأقسام سجن إيشل، حيث يُعتقل أبناؤهم، وأغلق اللاجئون الشارع الرئيسي المحاذي للمخيم، لتندلع بعدها مواجهات بين أهالي المخيم والأجهزة الأمنية الفلسطينية امتدت طوال ساعات الليل، بعد محاولات الشرطة فتح الشارع المغلق بالقوّة. واستُخدم الرصاص الحيّ والغاز المسيّل للدموع في المواجهات، وسقط العديد من المصابين في المخيم. وبدا واضحاً في هذه المواجهات حجم القوة الذي مارسته السلطة، بخلاف حالات كثيرة سابقة كانت تجنح فيها الى خيار التفاهم مع الفصائل والتنظيمات في المخيم. يثبت مسار الأحداث أنّ خيار الحسم الأمني الذي تلجأ إليه السلطة لم يفلح في إنهاء الاحتجاجات. بل العكس، فإن هذه الاحتجاجات آخذة في تصاعد مستمر، وكان آخرها اندلاع مواجهات في قلب مدينة نابلس احتجاجاً على إلغاء قرارات بإعفاء أهالي المخيمات من أثمان الكهرباء، وسبقتها احتجاجات شبيهة قبل عامين في مخيم طولكرم، حين منع الأهالي الجهات التنفيذية من فرض نظام الدفع المسبق لسداد أثمان الكهرباء بعد سنوات من إعفائهم من ثمن الكهرباء والماء.
التعامل الأمني مع المخيمات دفع نحو اتهام السلطة بمحاولة نزع القيمة السياسية للمخيم كتعبير عن اللجوء المؤقت، وتحويل المخيمات، وفق صيغ قانونية وتنفيذية، إلى أحياء فقر ملحقة بالمدن في الضفة. وترافق ذلك مع تقليص وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» لخدماتها المقدمة للمخيمات، وهو ما رأى فيه كثيرون بداية لمشروع تفكيك القيمة الرمزية للجوء والمخيم.
يضاف الى ذلك، تغيير لافت في خطاب السلطة ومؤسساتها الأمنية حول المخيمات واللاجئين؛ فقد علّق رئيس جهاز الشرطة على مواجهات مخيم الأمعري بالقول إنّ الأجهزة الأمنية قامت بـ«حملة أمنية بسيطة في مخيم الأمعري لاستئصال بعض الخلايا العابثة في أمن البلد»، مع تشديد المتحدثين الأمنيين على مصطلحات من قبيل «الأمن العام والسلم الاجتماعي وسيادة السلطة وهيبتها وحصر حيازة السلاح بالأجهزة الأمنية»؛ مفردات شبيهة بالسائد في الدول العربية المحكومة بالقبضة الأمنية وأحكام الطوارئ قبل «الربيع العربي» أو بعده. وتجدر الإشارة الى أن الخطاب حول الأمن والسيادة يُستثنى منه اقتحام جيش الاحتلال اليومي للمدن الفلسطينية وتنفيذ حملات الاعتقال والتفتيش.
شكّلت المخيمات على مدار سنوات اللجوء نقطة توتر دائمة تتكثّف فيها معاناة الفلسطينيين وصمودهم، ولا يُخفى أن أبناءها هم المحرّك الأوّل والوقود المستمر للمواجهات مع الاحتلال. وهي تمثل من الجانب الاقتصادي الاجتماعي نقاط توتر أساسية مع توجهات السلطة للتصرف كدولة تتجاوز فيها ميزانية الأمن ثلث الميزانية العامة، ولا تتأثر بالأزمات الاقتصادية. الدور الأمني هو ضمانة بقاء السلطة والتزامها الأهم. وهذا الواقع هو ما قاد ويقود إلى مواجهة مستمرة بين الجهاز الأمني كعمود فقري للسلطة، والمخيم كعنوان للصمود والمعاناة منذ ما يزيد على ستة عقود.