خرج أهل المخيم في صباح يوم دمشقي شتوي، وشتاء دمشق دافئ ربما، لكنه قاس على الفقراء والحالمين... وأهل اليرموك من هؤلاء... أتعبتهم سنين اللجوء، وأرهقهم الانتظار. وما يجعلهم على قيد الأمل، الحلم فقط باستعادة حقوقهم، وأهمها عودتهم إلى أراضيهم التي هجّروا منها...


ولأنهم مثل غيرهم فقراء... ترهقهم ذاكرتهم المليئة بالموت والشهداء، ذاكرة امتلأت عبر فصول النضال الفلسطيني بالبطولة والصمود، وبالكثير الكثير من الإيمان الذي يتزايد يوماً بعد يوم بالوطن الحقيقي الذي لا يبعد عنهم سوى قلة من الكيلومترات، ومسيرات العودة التي هبّ إليها أبناء اليرموك غير آبهين بشيء سوى كسر ما يسمى قوة الاحتلال الإسرائيلي، ليشيّع المخيم إثرها أكثر من عشرة شهداء زيّنتهم عروس من بنات المخيم...
بعد سنة من الحسرة، وتأكيد المخيم أنه قادر على قرع الخزان، هُجّر أبناؤه إلى أنحاء الخارطة الدمشقية، وإلى خارج الحدود، مرغمين، لتصير فتاة في ليلة وضحاها تتأمل أطلال مدرستها، بعد أن صارت حطاماً، وسبورتها غدت مرسماً لدم أبرياء سقطوا على مسرح الموت المجاني لحرب لا طائل لهم فيها، أكثر من إمساكهم بيد المخيم وقدميه كي لا يُركض به نحو الهاوية، نحو ما لا تشتهيه أم لابنها..
خرج أغلبهم، وحملوا «بقجهم»، هي ذاتها في الدلالة «بقج» النكبة الأولى قبل حوالى 65 عاماً، حين نزع الأهل من مدنهم وقراهم، استغلالاً لفقرهم وحلمهم بحياة رغيدة، تتفيّأ تحت الزنزلخت والخروب رائحة البرتقال والليمون. تتالت على الأهل الهزائم والانتصارات، وأمل الرجوع واقف في ثباته الذي لا يحيد أمام حقه... خرج المخيم من المخيم، مشتّتاً، تاركاً ذكريات، المسرح ورواده من أبناء اليرموك، ولوحات الفن ومنحوتاته، وقصائد الشعر، والقصص القصيرة، ظلوا هناك في مكانهم انجابهم، المكان الذي منحهم شرعية وجودهم كتمثيل لمأساة، تتجدد، بالمعاناة، كل يوم بشكل، إلى أن تكللت بتاج شوك جديد، نكبة جديدة، نكبة اليرموك. وفي هذه النكبة أيضاً حدث مثلما حدث قبل سنين طويلة، فقد أضاع آباء أبناءهم، وعادوا ليبحثوا عنهم بين أزقة المخيم هذه المرة. وتركت أم بعض الأوراق الثبوتية، خوفاً من الموت في لحظة انتظار طائشة، فالتاريخ حقاً لا يكررها ليكررها، ولكن ليحول المأساة إلى ملهاة، كما قال. في مخيم اليرموك استيقظت آلهة على أصوات من يعبرون تباعاً إلى منازلهم التي انهارت جدرانها، ولم تعد منازل، بل فتحات لهواء عفن من رائحة الموت، وبشاعة الحلم بالعودة إلى المخيم المؤقت، بدل العودة إلى الوطن الدائم... في اليرموك، ذاته، كرمز لحق العودة، ثمة مدرسة صارت جدرانها ومقاعدها أطلالاً لطلابها الذين ما زالوا عليها، والذين غادروها إلى مراحل أعلى... ستعود المدرسة إن عاد أهل مخيمها إليها ليعمروها، بعد أن يزول الموت، وتعود الآلهة للاستيقاظ على من يعبرون إلى مدارسهم آمنين.