لم يعد هنالك أمن متسع لأي شيء: فلا وقت للعب الورق، أو المشي في شارع لوبية وملاحقة الصبايا الفاتنات، ولا وقت حتى لجلسة مرحة مع الأصدقاء مساءً، أو لكتابة رسالة حب لفتاة مجهولة الاسم، سكنت القلب دون استئذان، ولا وقت لقراءة كتاب عن تاريخ العرب القدماء أو هزائم العرب الجدد، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة أو صاخبة. لا وقت لنميمة لطيفة في مكانٍ جانبي عند زاوية الحارة، أو للشجار على طريقة أبناء المخيم، ولا للجدال على طريقة مثقفيه، فأخوتنا يقصفون المخيم ويحاصرونه! وأخيراً لا وقت للاندهاش أو التساؤل كيف أصبح الاستثناء عادياً في المخيم؟ كيف تحوّل سكانه ما بين صامد ونازح، وما بين ملاك حيّ وناجٍ وشهيد؟ «أحمد» هو الآخر، لم يجد وقتاً ليعرف كيف انقلبت حياته من طالب جامعي ومعلم للغة العربية التي يحب، إلى متطوع في العمل الإغاثي. أصبح يعلّم الجميع درساً جديداً في العطاء والتضحية.


كان يفهم جيداً أن المخيم رمز صكّه الوجع والنار، وأيقونة كبرى معمدة بالدم، ويجب الدفاع عنه حتى يُتمّ وظيفته، كمحطة انتظار للعائدين إلى بلادهم، وكل شيء فيه له معناه المقدس.
أسفلت الشوارع والأبنية المنثورة حولها، الحدائق، الجوامع، ملصقات الشهداء الملونة، أوراق النعي البيضاء، بسطات الخضار والدخان المهرب والفلافل، المدارس بأبوابها الزرقاء، الحارات الضيقة والطويلة بما يكفي للهاربين بعشقهم بعيداً عن العيون، الازدحام في شارع اليرموك صباحاً، وفي توأمه، «شارع فلسطين» ظهراً، أصوات العصافير فجراً، هدوء مقبرة الشهداء القديمة، ضيق المكان على الشهداء والموتى في مقبرة اليرموك الجديدة، وجوه الأمهات المتعبة من الانتظار، تجاعيد أيديهن الخصبة بالحنان، جميعها والكثير غيرها من المفردات الضرورية لصياغة معنى وحيد هو المخيم، كان أحمد تلميذاً فيه ومعلماً لأبنائه، وعندما أصبحت مدرسته محاصرة وقطع عنها الغذاء والدواء والماء، قرر هو وزميله رامي، رغم الموت الرابض على الأبواب، إدخال بعض الخبز إلى المخيم، لكن القتلة لم يمنحوهما الفرصة لإتمام عملهما الأخير، فارتقوا أيقونة جديدة في السماء، تقول للصامدين: لا تقلقوا، هناك دائماً من سيكمل
المهمة.
النداء وصل. «عمار» مع أصدقائه يسرعون إلى سيارة الإسعاف؛ فالقذيفة سقطت على منزل مأهول، وهناك حياة لا بد من إنقاذها، ومن جديد لا وقت للتساؤل إن كان القاتل يدرك وهو يحمل القذيفة ليضعها في المدفع، أن قطعة الحديد التي تتموضع تماماً تحت سبابته اليمنى، التي كان يلاعب بها شفة طفلته صباحاً، هي القطعة ذاتها التي ستستقر في صدر طفلة ببراءة ابنته، في الجانب الآخر، وأن القذيفة ذاتها ستُزهق أرواح كل مَن أحبه والدها: هي، أمها، وأخاها، وتمحو بثوانٍ عائلته الصغيرة، وتبقيه شاهداً وحيداً وحياً، ليتذكر دائماً هذه المجزرة الصغيرة، وحين ينظر القاتل إلى عيون طفلته الصغيرة ويرى صورته في عيونها ويعلم بما اقترفت يداه، هل سيهمس في نفسه قائلاً: كم أنا قاتل!
لكن النداء وصل، والسيارة انطلقت إلى المكان، الغبار الكثيف منح لونه للناس المحتشدين في الحارة، والأصوات تعلو لإخلاء المكان، وترك عمار ورفاقه يقومون بعملهم، فقد تنزل قذيفة أخرى، خبيثة بما يكفي لتصنع مجزرة جديدة، كما فعلت سابقاً في حارة الجاعونة، وما كان يخشاه النداء حصل، لكنهم هذه المرة تصدّوا لخبث القذيفة الثانية وسبقوها لإخلاء المكان، فتوجهت شظاياها لتأخذ ثأرها من طاقم الإسعاف، فكان قربانها «عمار»، الذي أوفى بعهده وقدم حياته مقابل حياة الآخرين، وارتقى أيقونة أخرى في السماء، تقول لأبناء المخيم: لا تقلقوا... هنالك دائماً من سيكمل المهمة.
في هذه الأيام، أصبح الاستثناء طبيعياً وعادياً في المخيم. أصوات الرصاص في كل وقت، صفير القذائف، رعد الانفجارات، الأخبار المستمرة عن سقوط شهداء جدد، يعمّدون أرض المخيم بالدماء، استمرار الحصار، عمليات البحث اليومية عن كنوز الدفء في خشب الأشجار والأبواب والنوافذ والأثاث المنزلي، الجلسات السريعة بين أنقاض الأبنية، لتبادل الأخبار والقليل من الدعاء المعطر بالكثير من كلمات الأمل، دون أن ينسوا صبّ اللعنات على القتلة، الذكريات الناقصة من «الأحياء» عن الأمس القريب، اعتياد الطريق إلى المقبرة، تأهب الشهداء الدائم لاستقبال زميل جديد، المحاولات المستمرة للقبض على الحياة وصونها داخل أسوار المخيم، سقوط متطوع لتحقيق هذه الغاية، انضمام متطوع آخر لذات الغاية، عروسان من المخيم يزفان إلى منزلهما من مشفى فلسطين! يباركهما الأحياء، ويحرسهما الشهداء ثم يتابعون جولتهم في الشوارع والبيوت، يطيّبون خواطر الأمهات بنسائم الجنة، ويشدّون أزر الآباء بنسائم انتصار الحياة، يلعبون قليلاً مع الأطفال، ويهمسون في آذانهم: قولوا للجميع: لا تقلقوا هناك دائماً من سيكمل المهمة.




مع بداية الأزمة في مخيم اليرموك، برزت مؤسسات العمل الأهلي التي سقط من متطوعيها 6 شهداء، كان أولهم بتاريخ 4/11/2012 الشهيد عمار قاسم من جمعية الكشافة الفلسطينية. لحقه الشهيد حسام المدني بتاريخ 18/11/2012، وهو من الطاقم الإسعافي للهيئة الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني. وخسرت «الهيئة» أيضاً متطوعين في يوم واحد، هما عمر الحارس وطه حسين في 31/12/2012، كان الشهيد أحمد كوسا آخرهم، العضو المؤسس في مجموعة «بصمة» الذي سقط قنصاً في 7/1/2013 مع زميله رامي مجدلاوي خلال محاولتهم إدخال المساعدات إلى المخيم.