الجزائر | يحافظ النظام في الجزائر على استمراريته بتغيير ما حوله للإبقاء على الأساس، ويقاوم التغيير بعملية الانسلاخ، أي تبديل الجلد، ويرتبط هذا الانسلاخ بنمو النظام وتمدّده. وغالباً ما تُستحدث حركات تصحيحية داخل الأحزاب لتقليم أظافر المغضوب عليهم أو المنتهية صلاحيّتهم.

في 2004، تزامن فشل علي بن فليس في سباق الرئاسيات ضدّ عبدالعزيز بوتفليقة مع انسحابه من حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم (الآفلان). وقد سبّبت اللجنة التقويمية إطاحة بن فليس من الأمانة العامة وتنصيب عبدالعزيز بلخادم خلفاً له ضمن ما يعرف بالحركة التصحيحية. وهي اللجنة نفسها التي ثارت على بلخادم بعد سنوات، لكنّها لم تنجح في سحب الثقة منه إلا أثناء انعقاد الدورة السادسة للجنة المركزية لحزب «جبهة التحرير» الحاكم في الجزائر. انطلقت هذه الدورة العادية في أواخر الشهر الماضي، وتخلّلتها عملية تصويت لـ323 من أعضاء اللجنة المركزية دامت خمس ساعات. افتتح فيها بلخادم التصويت وسط الهتافات والتصفيق، وانتهت بهزيمته بفارق 4 أصوات وخسارته لمنصب الأمين العام للحزب.
مثّل الأمر صدمة للشارع السياسي في الجزائر، لكون بلخادم محسوباً على جناح الرئيس؛ ففي آخر ظهور إعلامي له قُبيل انتخابات اللجنة المركزية، بدا بلخادم مطمئناً وواثقاً من أنّ ولاءه للسرايا كفيل بانتصاره على خصومه. وأصرّ على أنّ الحزب لا يمرّ بأزمة، كما نفى وجود أزمة هيكلية أو أزمة تسيير داخل الحزب، وأكّد أن ثقل الحركة التقويمية أخف مما يتصوره الآخرون. وقال «إذا كان عندهم وزن سياسي وثقل وعندهم أغلبية، فما الذي يمنعهم من أن يأتوا إلى اللجنة المركزية وأن نحتكم إلى الصندوق بسرّية كاملة وبشفافية كاملة وبحضور الإعلام واللجنة المركزية، ويصوّتوا لتجديد الثقة للأمين العام وينتهي الإشكال». وشدّد بلخادم على «انتصار الآفلان في تشريعيات ثم محليات 2012». وقلّل من شأن وتأثير استقالة أحمد أويحيى من «الأرندي»، الحزب الثاني في الجزائر. وجزم بأنّ مصيره لن يكون مشابهاً لمصير شريكه في التحالف الرئاسي وغريمه في سباقات الانتخابات أحمد أويحيى.
وسعى إلى حصر خلافه مع حركة التقويم والتأصيل داخل الحزب الحاكم في رفض الأخيرة دعم ترشّح بوتفليقة لعهدة رئاسية رابعة. لكن الحظ خالف الإسلامي المروّض هذه المرّة. والسرايا سحبت البساط من تحت أقدامه، ففشل في تخطّي العقبة الجديدة وانتهى فجأة مساره كأمين عام للحزب العتيد.
ومع تجميع أحجيات المشهد السياسي الجزائري، يتبيّن أن سيناريو الانسلاخ كان معدّاً سلفاً تماشياً مع موجة «الربيع العربي»، لكن على الطريقة الجزائرية؛ فالسلطة التنفيذية التي كانت على مدى عقد من الزمن حكراً على أحزاب التحالف الرئاسي الثلاث (الآفلان _ الآرندي _ حمس)، أصابها تغيير حكومي مخالف لنتائج تشريعيات أيار 2012 التي شابها تزوير مكشوف واعتراها سخط عارم من قبل الناخبين.
وجاءت بداية التغيير بتعيين وزير أول محايد لا يفتعل القلاقل، وليس بينه وبين أطراف اللعبة السياسية عداوات. وتبع ذلك منح حقائب وزارية لأحزاب ثانوية، في مقابل خفض التمثيل الوزاري لـ«الآفلان» الحاصل على أغلبية نيابية، مع الإبقاء على محمد خذري وزيراً للعلاقات مع البرلمان رغم انتمائه إلى الحركة التقويمية التي تطالب بتنحية بلخادم.
ثم تلى ذلك تنحّي أو تنحية أويحيى من كرسي الأمانة العامة لـ«الآرندي» عشية دورة المجلس الوطني للحزب. كان ذلك إشارة من سرايا الحكم لصالح التقويمية في «الآفلان» بغية إطاحة بلخادم الذي يبدو أنه، بدوره، تلقّى أوامر فوقية بالكف عن اعتماد العنف وقمع معارضيه داخل اللجنة المركزية.
ومن الصعب التكهن الآن بخليفة بلخادم، لكن يبدو أن الإسلامي العنيد قرّر من تلقاء نفسه أن يصبح مسيّراً مؤقتاً للحزب، الى حين انعقاد الانتخابات بمشاركة المكتب السياسي «الذي لم تسحب منه الثقة»، حسب تصريح بلخادم. كذلك يبدو أنّ الأزمة داخل البيت العتيق لن تنتهي سريعاً، وهو توقيت مثالي بالنسبة إلى النظام لشغل الرأي العام الجزائري بحروب «الآفلان» الضروس وإزاحة ملف مالي وما يجري في الصحراء الغربية من مقدّمة نشرة الثامنة.
وبهذه الطريقة يرمي النظام جلده القديم ليتجدّد، ويخلع ثوبه المتهرئ ليرتدي حلة جديدة، وليثبت أن التغيير في الجزائر لن يكون سوى على هوى السلطة الحاكمة.