صحيح أن لأزمة المناطق الغربية في العراق ما يكفي من المسببات الداخلية لتبرير انتفاضتها الحالية ضد حكم بغداد، إلا أن المقاربة تبدو، في أكثر من دائرة سياسية، أكثر ميلاً لقراءة إقليمية عامة تبدأ من الحديث عن سعي غربي سعودي قطري تركي لإقامة شريط عازل سني ـــ كردي يقطع التواصل بين إيران وبين البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً سوريا ولبنان، ولا تنتهي بالحديث عن خرائط تقسيم للمنطقة تُعد في الخارج تجزئها إلى دويلات مذهبية واثنية تبرر قيام وطن قومي لليهود في فلسطين، الذين يجري حل قضيتهم على حساب الأردن.
مقاربة من نوع كهذا كانت مصدر قلق للقيادة العراقية مذ قررت أن الوقوف مع نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا هو عملياً دفاع عن بغداد وليس عن دمشق، على قاعدة أن سقوط هذا النظام لصالح آخر إسلاموي ستمتد تأثيراته حتماً إلى بلاد الرافدين. قلق تفاقم مع بدء ترجمة العراق لهذه السياسة عملياً في خطوات لم يظهر إلى العلن منها سوى قمة جبل الجليد، إلى حد وصف فيه البعض هذا البلد بأنه أصبح قاعدة دعم لوجستية لدمشق.
أولى مؤشرات الامتعاض الغربي التركي السعودي القطري تجلت، بحسب مصادر عراقية رفيعة المستوى، في خلال المحاولة الأولى لإطاحة نوري المالكي عبر سحب الثقة منه في البرلمان في خلال ذاك الاجتماع الشهير الذي عقد في اربيل أواخر أيار الماضي بحضور القادة الأكراد وزعماء القائمة العراقية والسيد مقتدى الصدر.
ومع فشل تلك المحاولة، دخل العراق في متاهة أمنية جديدة، سمتها العامة ما عرف وقتها بظاهرة «كواتم الصوت في بغداد» التي استمرت لأشهر. وقتها، عادت الانفجارات تضرب مجدداً عاصمة الرشيد وبعض مدن الجنوب، أضيفت إليها سلسلة يومية من عمليات الاغتيال في بغداد استهدفت قيادات الصف الثالث وعناصر الحماية الأمنية للقيادات العراقية، إلى حد اضطر فيه بعض القادة العسكريين إلى متابعة أعمالهم من منازلهم التي لم يغادروها لأشهر. كان تقدير مختلف القوى السياسية في ذاك الحين أن الأزمة المشتعلة في سوريا ستنتقل حتماً إلى العراق، وأن كل ما يجري ليس سوى خلق فوضى أمنية مضبوطة تمهيداً لتلك اللحظة.
في محاولة للحؤول دون هذا السيناريو، تحركت القيادة العراقية، على ما تفيد المعلومات، في اتجاهين: الأول سياسي يستهدف إصلاح ذات البين بين الأطراف العراقية المتصارعة، وتجلت بمحاولات الرئيس جلال الطالباني عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية. وآخر عسكري، تجلى بالعمل على تعزيز انتشار القوات المسلحة على الحدود مع سوريا. إلى أن جاءت عملية اعتقال مجموعة من فريق الحماية الخاص بوزير المال رافع العيساوي.
أصحاب القراءة الإقليمية يؤكدون أن الملف الأمني، الذي يدين العيساوي، عناصره الأولى متوفرة لدى الأجهزة الأمنية منذ أشهر طويلة، وأنه كان مركوناً في أدراج مكاتب الشرطة والاستخبارات لحساسية موقع الرجل وخشية تداعيات خطوة قضائية بحقه على جهود المصالحة الوطنية، خاصة بعد ما حصل مع نائب الرئيس طارق الهاشمي. ويضيفون أن السبب الرئيس لتحريك هذا الملف مؤخراً كان النشاط المكثف للعناصر المسلحة التابعة للعيساوي في حق القوافل التجارية المتجهة إلى سوريا.
ويؤكد هؤلاء معلومات يجري تداولها في أكثر من عاصمة إقليمية عن سعي حثيث من قبل الدول المعنية بالملف العراقي إلى خلق كيانين، كردي وسني، في غرب العراق، يشكلان سداً منيعاً في وجه أي تواصل بين بغداد وطهران وبين دمشق. مؤشراتهم كثيرة على صدقية هذه المعلومات، تبدأ عن الجانب الكردي باستعادة للاشتباكات الأخيرة بين القوات المسلحة العراقية وبين قوات البيشمركة الكردية في محافظة صلاح الدين، ومحاولة الزعيم الكردي مسعود البرزاني تعزيز الاستقلالية الأمنية والعسكرية والمالية لإقليم كردستان عن المركز، ولا تنتهي عند محاولة رجب طيب أردوغان التوصل إلى صيغة ما من التفاهم مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المسجون في جزيرة إيميرلي التركية.
أما على الجانب السني، فتبدأ المؤشرات بتصاعد حدة المطالبة، مذ بدأت الاضطرابات في سوريا، بإقامة إقليم سني (من أبرز مؤيديه رئيس البرلمان اسامة النجيفي) على غرار المنطقة الكردية، ولا ينتهي بحقيقة تمركز التظاهرات في المحافظات الغربية على الطرق التي تربط العراق ببلاد الشام، ورفع أعلام كل من تركيا والسعودية وقطر وما يعرف بـ«الجيش السوري الحر» والعلم الملكي العراقي.
مصادر إقليمية وثيقة الصلة بالملف العراقي ترى أن «التعثر في سوريا هو الذي استعجل تمدد المسلسل القطري التركي السعودي نحو العراق، الذي يشكل بنظر هؤلاء خط الإمداد الأساسي لصالح النظام في سوريا في ظل حدود أردنية محكمة الإقفال في الاتجاهين، وحدود تركية ولبنانية مفتوحة لصالح المعارضة المسلحة». وتضيف «الخوف كل الخوف من (مؤتمر) مالطا جديد»، في إشارة إلى ذاك الذي قسّم المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مشيرين إلى «تهديد بتغيير الخريطة كسلاح ضد محور المقاومة».
عند هذه النقطة تتعدد السيناريوهات التي تجتمع على قاعدة واحدة هي تقسيم المنطقة على أسس مذهبية وعرقية: كيان علوي في الشمال السوري يلامس الساحل، وآخر درزي في السويداء، وثالث سني يضم شرق سوريا وغرب العراق، ورابع شيعي في وسط هذا البلد وجنوبه، وخامس كردي في الشمال العراقي مع «كوريدور» يحاذي الحدود السورية التركية ويعطي الكيان الوليد منفذاً على المتوسط... عدا ذلك لا اتفاق على شيء، بدءاً بحدود هذه الكيانان، مروراً بطبيعتها (دولة أو حكم ذاتي أو كيان واقعي لا شكل قانونيا له...) وصولاً إلى لبنان الذي يتحدث البعض عن نقل مسيحيي سوريا والعراق إليه وآخر عن تحوله ساحة للصراعات وعودة الاقتتال الأهلي، والأردن الذي تتجه المؤشرات نحو تأكيد مخاوفه من عملية ترانسفير والفدرلة مع الضفة الغربية،... وكل ذلك في سبيل «إنهاء القضية الفلسطينية وتبرير إقامة دولة لليهود في فلسطين».
المصادر الإقليمية سالفة الذكر تتحدث عن ربط ملفات وشيك بين العراق وإيران، حيث يتوقع مواجهة حامية الوطيس مع الغرب على خلفية الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران المقبل، والتي يعتزم خوضها تحت شعار «الشعب يريد».

الكيان الكردي

في هذا السياق، تتحدث مصادر خليجية عن معلومات توفرت لديها عن حالة من الاستياء الغربي من رئيس وزراء تركيا رجل طيب أردوغان الذي ضاقت دوائر القرار ذرعاً به على خلفية عجزه عن تحقيق أي انجاز في سوريا، وفي الوقت نفسه عن إيجاد تسوية مع الأكراد تعطّل السلاح الكردي الموجود في يد النظام السوري. وتضيف «بناء عليه استعجل أردوغان التفاوض مع أوجلّان على صيغة حل بالتوافق مع البرزاني، في محاولة لقطع الطريق على مسعى كان يعد له الأوروبيون». وتختم بالتحذير من أن «الورقة الكردية سيف ذو حدين، هي ورقة متحركة ضد كل دول المنطقة».

المالكي والأردن

ولعل الأبرز في ظل هذه المعمعة تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها المالكي إلى الأردن في 24 كانون الأول الماضي والتي توجت بسلسلة اتفاقيات أبرزها الاتفاق النفطي. مصادر رفيعة المستوى على اطلاع وثيق على ملابسات الزيارة تكشف عن أن المالكي تلقى رسائل إيجابية من القيادة الأردنية دفعت به إلى التوجه بصورة مفاجئة إلى عمّان. وتوضح أن بغداد أرادت من خلال هذه الزيارة تحقيق أمرين: الأول، وهو الأهم على المستوى الاستراتيجي، تحصين إعادة التموضع الجيوسياسي للأردن والذي عبر عن نفسه بالتصريح المشترك في ختام الزيارة عن أن وجهات النظر كانت متطابقة حيال الوضع في سوريا. وذلك من خلال توفير شبكة الأمان المالي التي تعطي النظام في الأردن القدرة على سد الثغرة التي خلّفها توقف ضخ المساعدات الخليجية، والسعودية على وجه الخصوص، عقابا لعمّان على عدم الاذعان للضغوط والدخول كطرف في الحرب المستعرة ضد دمشق. أما الأمر الثاني، فكان الحصول على دعم الأردن لتهدئة الشارع السني المنتفض في الغرب، نظراً لما للأردن من «مونة» على الكثير من زعماء المعارضة العراقية الذين يتخذون من عمّان مقراً لهم.
وتشير المصادر نفسها إلى أن المالكي سمع كلاماً واضحاً من الملك عبد الله الثاني عن «الخطر الداهم الذي يمثله التكفيريون والسلفيون والإخوان المسلمون على الأردن وسيادته على المنطقة برمتها»، مشيرين إلى أنه «لمس رغبة شديدة من الملك بتعزيز العلاقات مع العراق وعدم ممانعته تحسن الروابط مع إيران وإن كان تعرض لضغوط شديدة من دول الخليج يوم أُعلن عن المبادرة الإيرانية لتزويد الأردن بالنفط».
ومع ذلك تعرب المصادر عن خشيتها من أن تكون الاندفاعة العراقية الأخيرة حيال الأردن لا نتائج لها سوى زيادة «ثمن عمّان لدى دول الخليج»، وإن كانت تراهن على عمق العلاقة التاريخية التي تربط بلاد الرافدين بمملكة الهاشميين.




قمة رباعية شيعية وشيكة

في اجتماع للتحالف الوطني العراقي عقد مساء الأربعاء، تم التوافق على العمل لعقد قمة رباعية بين قادة التحالف رئيس الوزراء نوري المالكي وسلفه ابراهيم الجعفري والسيدين عمار الحكيم ومقتدى الصدر للبت في مجموعة حلول تم اقتراحها خلال الاجتماع المذكور للأزمة مع الأكراد والسنة. على الجبهة الكردية تم التفاهم على: مشكلة قانون النفط والغاز يتم حلها وفق الدستور، أي أن يتم تصدير النفط الكردي وإدخال ثمنه في ميزانية الحكومة الاتحادية على أن تحول 17 في المئة من قيمته إلى كردستان. والانتهاء من مشكلة المادة 140 عبر تطبيقها. أما قضية المناطق المتنازع عليها فيتم حلها عبر إجراءات مشتركة بين حكومتي بغداد واربيل بحسب الاتفاقات المبركة بين الطرفين، على شاكلة نشر قوات من البشمركة والمركز فيها. وعلى الجانب السني، تم التفاهم على تصنيف القضايا القضائية كل حسب نوعها، إرهابي وجنائي و... والتعامل مع كل نوع على حدة. وضرورة العمل على دعم واحتواء القيادات المعتدلة على حساب المتطرفين في محاولة للتخلص من هاجس التقسيم. أما باقي الملفات فتحال إلى البرلمان صاحب الاختصاص لبتّها.