لا يزال خبر إسقاط الطائرة الأردنية وأسر قائدها الملازم أول معاذ الكساسبة، موضوعاً لكثير من المناقشات، سواء في داخل الأردن أو خارجه، إذ لم يعر الشارع الأردني اهتماماً لقرار النائب العام بحظر تداول أي مواد إعلامية ينشرها «داعش» للطيار وحظر نشر التحليلات العسكرية المتعلقة بالحادثة. أما خارج الأردن، ولا سيما في سوريا والعراق، فقد تداول الجمهور خبر إسقاط الطائرة، وخرجت في بعض الأحيان تعليقات ساخرة أو شامتة بالطيار الأسير.


بعيداً من هذه الأجواء، يثير إسقاط الطائرة عدداً من الأسئلة التي تنتظر نقاشاً جدياً: هل أصبح لدى التنظيم القدرة على استهداف الطائرات المقاتلة الحديثة؟ ولماذا لم يجر إسقاط إحدى الطائرات الأميركية مثلاً، وهي تسجل مشاركة أكبر من نظيراتها الأردنية؟ هل ما حصل اليوم سيكون نقطة انعطاف في مسار العملية الجوية ضد التنظيم المتطرف؟ وماذا سيكون مصير الطيار الكساسبة؟
بالنسبة للسؤالين الأولين، تجب الإشارة إلى أن الطائرة التي أسقطت هي طائرة متقادمة، وإن كانت من طراز «ف 16». فالطائرات التي يستخدمها سلاح الجو الأردني من هذا الطراز هي من الأجيال الأولى القديمة «ف 16 أ» و«ف 16 ب»، والتي انتجت في آخر السبعينيات من القرن الماضي، أي أنها أقدم بكثير من نظيراتها التركية والإسرائيلية والإماراتية من الطراز نفسه. وقد أخرجت العديد من الدول هذين الجيلين من الخدمة؛ كما أن الأردن لم يحصل على هذه الطائرات وهي جديدة، بل حصل عليها من هولندا وبلجيكا وغيرها بعد أن أخرجتها تلك الدول من الخدمة.

تجد الحكومة الأردنية نفسها وحيدة وبخيارات صعبة أمام حادثة أسر الطيار

كما أنه حصل على بعض هذه الطائرات من الولايات المتحدة وفق عقود استئجار طويلة الأمد (Lease). أي أن الطائرة التي أسقطها التنظيم الأسبوع الماضي هي، بشكل شبه مؤكد، طائرة قديمة تجاوزت عمرها الافتراضي ولم تخضع لتحديثات، وهي غير مزودة بوسائل تحميها، وتحذر الطيار من الصواريخ المضادة للطائرات. يضاف إلى ما سبق أن الطائرة الأردنية كانت تحلق على ارتفاع منخفض، وهذا ما جعلها ضمن مدى الصواريخ المحمولة على الكتف من طراز «FN-6» الصينية التي حصل عليها التنظيم من خصومه في المنطقة الشرقية، والذين كانوا قد حصلوا عليها عبر قطر التي أمنتها لهم من السودان، وفق ما تداوله المحللون العسكريون كثيراً، ووفق ما نشرته صحيفة «ذي نيويورك تايمز» في آب 2013. والمدى الأقصى لهذه الصواريخ هو 6 كيلومترات وأقصى ارتفاع تصل إليه هو حوالى 4 كيلومترات. وقد يكون صغر سن الطيار الأردني، ذي السادس والعشرين ربيعاً، وبالتالي قلة خبرته وعدم تراكم ساعات طيران كافية، هي ما يفسر ارتكابه لخطأ التحليق المنخفض، ووقوعه بالتالي ضمن مدى صواريخ «داعش». الخلل الفني يبقى أيضاً احتمالاً قائماً، ولكن سقوط طائرة خلال التحليق على نحو مفاجئ هو مسألة نادرة ومستبعدة، ولا سيما إذا كان هذا السقوط فوق مسرح العمليات. قد يكون اطلاق «داعش» للنيران على الطائرة هو ما دفع الطيار للقيام بمناورة هروب حادة سببت تعطل الطائرة المتقادمة وسقوطها، كما أنّ حصول خلل فني بدون حصول طارئ هو أمر غير مرجح.
تظهر أهمية عامل خبرة الطيار، وتفوقها على قدم الطيارة، بالمقارنة مع سلاح الجو السوري إذ ظهر أن الطيارين المشاركين في العمليات الجوية هم من رتبة مقدم وما فوق، وربما لهذا السبب لم ينجح «داعش» في إسقاط طائرة سورية واحدة بعد قرابة الشهر من المعارك حول مطار دير الزور، على سبيل المثال.
حالة الطائرة الأردنية، كما يظهر من التفاصيل أعلاه، تشير إلى أنها حالة خاصة ومن غير المنطقي تعميمها على الطائرات الأحدث، والطواقم الأكثر خبرة، للدول الأخرى في التحالف، مثل الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج. ما يدعم هذا الاستنتاج هو تنفيذ الدول الأخرى في «التحالف» عدداً هائلاً من الطلعات الجوية ضد مقاتلي «داعش» من دون أن تتعرض طائراتهم للاستهداف. على سبيل المثال، نفذت الولايات المتحدة، وحدها، أكثر من 3800 طلعة جوية خلال الشهر الأول وحده. كما أن «داعش» لم يحصل على أسلحة حديثة مضادة للطائرات باستثناء تلك المحمولة على الكتف، مثل صاروخ «FN-6»، إضافة إلى المدافع الرشاشة المنقولة على شاحنات الدفع الرباعي، وبالتالي فالخطر الذي يمثله التنظيم على طائرات التحالف هو خطر محدود، ولا يزيد عن الخطر الذي يمثله مقاتلو حركة «طالبان» في أفغانستان. يمكن القول إذاً أن العملية الجوية لـ«التحالف» لن تتأثر غالباً بسقوط الطائرة الأردنية، وإن كان هذا السقوط يطرح بعض التساؤلات حول درجة التنسيق الفعلية بين الدول المشاركة في «التحالف» ودرجة الإشراف الأميركي: فلو كانت هناك غرفة عمليات تشرف بالفعل على تفاصيل ما يحصل لمُنع الطيار الأردني من الانخفاض بطائرته إلى هذا الحد أو لكانت غرفة العمليات هذه على معرفة بامتلاك مقاتلي التنظيم، في تلك المنطقة المستهدفة، للصواريخ المضادة للطائرات.
الطائرة التي أسقطت
هي طائرة متقادمة، وإن كانت من طراز «ف 16»

الإجابة على هذه الأسئلة ستميل غالباً إلى التكهن لذلك من الأفضل تركها للمقبل من الأيام، والتركيز على السؤال التالي، الأكثر إلحاحاً: ماذا سيكون مصير الطيار الكساسبة وهل سيتابع الأردن المشاركة في العملية الجوية ضد «داعش»؟
تجد الحكومة الأردنية نفسها وحيدة وبخيارات صعبة أمام حادثة أسر الطيار الكساسبة. فمن البداية، لم يبدو أن مشاركة الأردن في قوات «التحالف» قد حظيت بمساندة شعبية أردنية، خصوصاً في ظل موقف عمان الذي أقل ما يقال عنه أنه متناقض، من تهريب السلاح والمقاتلين، ولا سيما المتطرفين منهم، إلى داخل سوريا. وهذا دفع بعض التيارات اليسارية الأردنية إلى انتقاد مشاركة الجيش الأردني في «التحالف». ويزيد تعقيد المشهد الأردني أنّ التيار الشعبي المؤيد لـ«داعش» في الأردن قد اكتسب زخماً في الفترة الماضية، ولا سيما في منطقة معان. كما أن التنظيم المتطرف تجنّب، حتى الآن، تقديم أي تلميح حول مصير الطيار الأسير مفضلاً إبقاء المسألة معلقة، فلا يعلم إن كان التنظيم سيكرر ما فعله مع المختطفين الغربيين في السابق، والذين أبقاهم في الأسر لفترة تزيد عن العام قبل أن يعدمهم، أو إن كانت حالة الطيار الأردني لا تشبه غيرها، وقد نتفاجاً، كما تشير بعض التسريبات، بأن الحكم قد صدر بحق الطيار بالفعل. وربما بسبب هذه التعقيدات، يظهر الموقف الرسمي الأردني متخبطاً، فوزير الأوقاف الأردني، على سبيل المثال، ذكّر في خطبة الجمعة بأن «داعش» يذبح المدنيين في سوريا والعراق وأن الرسول قد قبل الفدية في الأسرى، وهكذا بدا وكأن الوزير يحرض على «داعش» ويتأمل منه، في الوقت نفسه، العفو عن الأسير!
التخبط الأردني مفهوم، فمع استبعاد التعويل على نجاح عملية عسكرية لتحرير الطيار الأسير، بسبب فشل تجارب الولايات المتحدة في هذا المجال، تصبح خيارات الحكومة الأردنية أكثر صعوبة: فهل سترضخ لطلبات «داعش» الذي قد يشترط وقف مشاركة الأردن في العمليات ضده مقابل إعادة الطيار الأسير، أو على الأقل، المحافظة على حياته، أو هل ستقوم الحكومة الأردنية بطلب وساطة رموز التيار السلفي في الأردن للتوسط لدى التنظيم المتطرف، أو هل ستنحى منحى الحكومة اللبنانية، وتدق أبواب دمشق لمناقشة مسعى عملية تبادل أسرى مع داعش؟ ومن هم الأسرى الذين ستتم مبادلتهم بالكساسبة، هل تكفي الموقوفة العراقية ساجدة الريشاوي التي شاركت في تفجيرات عمان 2005، لتكون فديةً للكساسبة؟ بالمجمل هي خيارات صعبة جداً أمام الحكومة الأردنية. ولكن الشيء الوحيد المرجح هو أن الحكومة الأردنية وحيدة في أزمتها هذه وأن الولايات المتحدة ستكمل العملية الجوية ضد داعش من دون أن تكترث للأسير الأردني فلم يكن من شيمة الولايات المتحدة النظر بعين الرأفة لخسائر حلفائها ولا سيما العرب منهم، الذين وإن بدا أنهم ينافسون إسرائيل في اظهار الولاء للولايات المتحدة إلا أنهم بكل تأكيد ليسوا كذلك في نظر العم سام.