حلب | عادت طوابير السوريين أمام مناهل المياه للظهور مجدداً في حلب. مشهد لا يخفف من وطأته سوى البرد الشديد، الذي يحد من استهلاك المياه، فيما يتوزع أفراد الأسرة، بحثاً عن ليترات قليلة من المازوت أو أسطوانة غاز أصبح الحصول عليها فرحة لا توصف.


خمسة أيام مضت على توقف ضخ المياه من محطة سليمان الحلبي إثر قيام «جبهة النصرة» بوقف تغذية مدينة حلب بالتيار الكهربائي على نحو تام (تسيطر النصرة على محطة تحويل الزربة جنوبي حلب التي تتحكم في التغذية). محطة الضخ التي جرى تأمين خط كهرباء خاص بها بعد تسوية الصيف الماضي مع المسلحين باتت بحاجة إلى المازوت لتشغيل مولدات الكهرباء الاحتياطية فيها. وسارع مجلس مدينة حلب لتشغيل الآبار الاحتياطية والمناهل العامة، فيما بدأت صهاريج المجلس والمحافظة بتزويد بعض القطاعات الخدمية بالمياه، فيما أكد مصدر في «مؤسسة مياه حلب» أنّ الهلال الأحمر يقوم بمهمة إيصال الوقود إلى مبنى المؤسسة في سليمان الحلبي حيث من المتوقع أن تعود المياه تدريجياً إلى أنحاء المدينة. ولأن المصائب تنزل دفعة واحدة في حلب، فقد اقترن انقطاع الماء بانقطاع الكهرباء التي باتت فواتير الاشتراك بما يؤنس ليالي الحلبيين لتشغيل أجهزة التلفاز وإنارة محدودة تكلف نصف الحد الأدنى للأجور، حيث يكلف الاشتراك الأسبوعي (2 آمبير) مبلغ يراوح بين 1500 و1800 ليرة سورية.

سعر الليتر الواحد للمازوت «التجاري» 300 ليرة بينما السعر الرسمي 80

ولم تكد تمر شهور أربعة على توافر الغاز المنزلي بسعره الرسمي حتى عاد الاختناق الى توزيع المادة بعد هجوم «داعش» على حقل الشاعر للغاز، و«الاختناقات» هو المصطلح الذي يفضله الرسميون للتعبير عن آنية الآزمة وللتخفيف من وطأتها، وبرغم تحرير الحقل، جعلت الاضرار الكبيرة وبقاء المنطقة مسرح عمليات عسكرية، من الصعب العودة الى منسوب الإنتاج السابق. وانعكس ذلك على كمية الغاز المنزلي المنتج، ومنذ ذلك الوقت أصبح توزيع أسطوانات الغاز المنزلي بعهدة المحافظة. وبرغم اللجوء إلى آلية جديدة لتوزيع الغاز عبر لجان الأحياء ومخاتيرها، إلا أن سعيد الحظ هو من يحصل على الأسطوانة المخصصة لعائلته كل شهر. «عارف حمو»، موظف يقيم في حي الجابرية قال إنه حصل على أسطوانة واحدة عن شهر تشرين الأول، وهو ينتظر دوره مجدداً للحصول على أسطوانة ثانية بسعر 1200 ليرة سورية، مشيراً الى انه اشترى من ذلك الحين ثلاث أسطوانات بأسعار تراوح بين 2800 و5500 ليرة.
ولا يختلف حال المازوت (وقود التدفئة الأساسي) عن حال الغاز. فسرعة توزيع مخصصات العائلات لا تتناسب مع حلول فصل الشتاء القارس في حلب. تقول ميساء، وهي موظفة في شركة تجارية، «دخلنا في مربعانية الشتاء، ولم توزّع كمية 200 ليتر الموعودة، نضطر إلى لف أطفالنا بالحرامات طيلة اليوم». وتضيف المقيمة في حيّ الميدان: «لا أستطيع شراء خمسة ليترات يومياً، وهي لاستهلاك مدفأة متواضعة، بسعر 1500 ليرة».
لكن مخاتير بعض الأحياء تمكنوا من تنظيم توزيع الغاز والمازوت. ففي حيّ السريان أنهى مختار الحي ولجنته توزيع كمية المازوت المخصصة للعائلات قبل نهاية الشهر الماضي.
«جرت تعبئة جميع خزانات الأبنية في حينا على نحو جماعي، ومن ثم استيفاء ثمنها بالسعر الرسمي من أصحاب الشقق»، يروي الطبيب نزار عكرمة. الأمر الذي يرد عليه أحد مخاتير قطاع الحمدانية، بالقول «الأحياء التي جرى التوزيع فيها باكراً، تسلمت حصتها نتيجة توافر كميات كبيرة من المازوت حينها، وعندما حان دورنا لم نتسلم ما يكفي».
ووصل سعر ليتر المازوت لدى باعة الرصيف إلى 300 ليرة لليتر الواحد، فيما يبلغ سعر المازوت المنزلي رسمياً 80 ليرة، وللأغراض الأخرى 140 ليرة.
مصدر في لجنة المحروقات أفاد بأن المحافظة لا تزال تورد المازوت لغرض توليد الكهرباء، وتوزّع المخصصات العائلية مع مخصصات النقل العام بحسب الكمية الواردة إلى المحافظة.
وتقدر حاجة المحافظة من المازوت بنحو 600 ألف ليتر، لكن الوارد اليومي لا يتجاوز نصف الكمية، حيث تضطلع لجنة المحروقات بتوزيع الوارد على القطاعات المختلفة من زراعية وصناعية وقطاع عام بما فيها الافران والنقل، والمنازل.
التصريحات الحكومية لا تجد آذاناً صاغية لدى المواطن، الذي يسوؤه وجود المازوت والغاز لدى الباعة، ولكن بأضعاف السعر الرسمي.
وفي الجزء الشرقي من المدينة لا تكاد الأسعار تختلف كثيراً عما هو سائد في جزئها الغربي، فمصدر الوقود في تلك المناطق هو ورش التصفية البدائية التي تنتج مادتي البنزين والمازوت بشروط فنية سيئة، ومعظمها يُجلب من محافظتي دير الزور والحسكة، بينما تُنقل أسطوانات الغاز من ريف إدلب.
ومنذ بدء غارات التحالف على تلك المنشآت، ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 200 ليرة، أما أسطوانة الغاز، فقفز سعرها إلى 8000 ليرة.