تونس | بعد يومين من قرار إغلاقها بسبب ما فيها من اعتداءات على الأطفال، واحتقار للذات الإنسانية، لم تتمكن رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، مساء أول من أمس، السبت، من نقل أرشيف مؤسسة رعاية الأطفال الجانحين، التابعة لإدارة السجون والإصلاح، بعدما رفض الحرس تمكينها من ذلك.


وهي ليست المرّة الأولى التي تفشل فيها سهام بن سدرين في نقل الأرشيف، فقد رُفض طلبها، نقل أرشيف رئاسة الجمهورية للتثبت من الجرائم المرتكبة منذ ١حزيران ١٩٥٥ إلى نهاية ٢٠١٣، بحسب ما يمنحه القانون المنظم لهيئة الحقيقة والكرامة من صلاحيات تسمح لها بالنفاذ إلى وثائق أية مؤسسة في البلاد، بل حتى في المؤسسات الخاصة، أو البيوت، إذ إن القانون الذي ينظم عمل هيئة الحقيقة والكرامة منحها سلطات فوق أي حكم قضائي، وهي بمثابة سلطة موازية للقضاء. بن سدرين، المثيرة للجدل، وجدت رفضاً، وصدّاً من الأمن الرئاسي، الذي لم يسمح لها بنقل أيّة وثيقة بعدما استنجدت بست شاحنات. وقد رأى رئيس الأمن الرئاسي، توفيق القيسومي، في تصريح إعلامي، أن دور الأمن الرئاسي "حماية القصر الذي يمثل سيادة الدولة، وكلّ ما فيه من وثائق ملك للشعب التونسي". وأكّد أنه تحادث مع الرئيس، المنتهية ولايته، منصف المرزوقي، وتفهّم هذا القرار، بعدما سمح، بتاريخ ٢٦ كانون أول، لبن سدرين بنقل الأرشيف. وأشار، مدير الأمن الرئاسي، إلى أنّ الرئيس، الباجي قائد السبسي، الذي يُتوقع تسلّمه السلطة رسمياً يوم الأربعاء، هو المؤهّل لحسم هذا الجدل القانوني والسياسي.
بينما رأت، سهام بن سدرين، أن الرفض الذي واجهته على باب القصر الرئاسي لم يكن من رئاسة الجمهورية، لكنّه من نقابيين في الأمن الرئاسي، وهدّدت بمقاضاتهم، كما هدّدت نقابة الأمن الرئاسي، التي أعلنت في بيان لها، الجمعة، أنّ بن سدرين "أهانت أعوان الأمن، واتهمتهم بتهم خطيرة، منها محاولة الانقلاب، في الوقت الذي طبقوا فيه القانون فقط".
وفي تصريح للـ"الأخبار" رأى القاضي، والمرشح السابق للرئاسة، علي الشواربي، أنّ "هيئة الحقيقة والكرامة بحاجة إلى مراجعة من البرلمان الجديد، لأنها منحت صلاحيات فوق القضاء، وهو ما لا يمكن قبوله"
من جهة أخرى، أكّد حقوقيون، من بينهم الرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، مختار الطريفي، أن القانون المنظم لعمل الهيئة لا يسمح لسهام بن سدرين بنقل الأرشيف، إلا بحضور لجنة تضمّ ١٥عضواً، منهم ١٢ عضواً من خارج الهيئة، وهو ما لم يتوافر في محاولة نقل أرشيف رئاسة الجمهورية. وهذا الجدل الذي انفجر على خلفية نقل الأرشيف، ترجمة للجدل الذي أثارته الهيئة منذ تأسيسها، وخاصّة في الصلاحيات والإمكانات المالية الضخمة الممنوحة لها، فضلاً على أنّ رئيستها، سهام بن سدرين، كانت من أبرز معارضي نظام بن علي، وبالتالي فهي خصم وحكم، ولا تتوافر فيها الاستقلالية اللازمة لهذه المؤسسة، التي ترمي إلى كشف الحقيقة، وإنصاف المظلومين دون تشفّ أو انتقام، وصولاً إلى المصالحة الوطنية الشاملة، كما أن إخلالها بالتزاماتها تجاه الصحافيين الشبان العاملين معها، ورفضها دفع أجورهم برغم احتجاجاتهم واحتجاج نقابات الصحافيين، تمسّ صدقيتها، هي المتّهمة بالمتاجرة بحقوق الإنسان.
وأثار التوقيت الذي اختارته بن سدرين لنقل أرشيف رئاسة الجمهورية الكثير من الأسئلة، اذ يتهمها عدد كبير من الناشطين التونسيين بمحاولة التستر على جرائم الترويكا، بإعدام وثائق من الأرشيف الرئاسي بعد ثلاث سنوات من حكم المرزوقي، الذي تسانده بن سدرين على نحو مطلق، كما تساند حركة "النهضة الإسلامية" التي اقترحتها لرئاسة الهيئة، ومكّنتها من صلاحيات خيالية لا نظير لها في أي بلاد عاشت تجربة العدالة الانتقالية.
ويبدو من المؤشرات الأولى التي رصدتها "الأخبار" بحسب بعض أعضاء البرلمان الجديد، أنّ إعادة النظر في تركيبة هذه الهيئة وصلاحياتها، ستكون من بين الملفات الأولى التي سيناقشها البرلمان الجديد. ونظراً للجدل المثار الآن في الشارع التونسي حول الهيئة، ورئيستها، يبدو أنّ هذا الملف لن يغلق قريباً.