عاكف مشارقة

في رام الله كانت تتابع تدريباً مهنياً. وهي، بالرغم من صغر سنها، إلا أنها كانت صحفية نشيطة، تجاربها في الحياة تنفي صغر سنها، وجسدها الممتلئ ينفي الفرضية ذاتها. ملامح وجهها متناسقة مع شكل عينيها ولونهما البني ذي التدرج الخفيف. اعتادت مشقة الانتظار الطويل على الحاجز، إذ كان عليها أن تخرج باكراً تحسباً لتقلبات أوقات الانتظار على الحاجز، ولكي تحاول الوصول في الوقت المناسب للصف. وبرغم احتياطاتها الدائمة وتعاملاتها مع الجدلية الثلاثية: الانتظار والوقت والحاجز، فقد وصلت متأخرة نصف ساعة، إلا أن السبب الرئيسي لتأخرها لم يكن ذاك الحاجز، بل جهلها بمعالم مدينة رام الله وشوارعها.
ولجت غرفة الصف، وألقت تحيتها المقتضبة. اتخذت مكاناً لها. كان معطفها الأسود يمنحها هيبة، إضافة إلى تلك الهيبة التي تحاول أن تصنعها لنفسها عندما تتحدث، فتلون صوتها وتعطيه نبرة عميقة وجادة، أو تتحدث عن تجاربها الشخصية، مستخدمة ضمير المتكلم "أنا" بكثرة.

كانت على درجة عالية من النرجسية، هذا هو الانطباع الأول عنها. مرّ يومها الأول بالتحدث مع أشخاصٍ تعرفهم مسبقاً. لكنها طفقت في اليوم التالي، تخلع عن نفسها شيئاً من غرورها المزعوم، وتتحول إلى فتاة خفيفة الظل، وصاحبة ابتسامة شبة دائمة.
وطدت علاقتها ببعض زملائها الغرباء، كان من بينهم شاب يكبرها بعامين، اكتشفا أن أسلوب المزح هو الأجدى لكسر حاجز الاغتراب، فأصبحا يتبادلان السخرية والشتائم من باب الدعابة. كانا يتبادلان الحديث أثناء ساعات التدريب الرسمية من طريق الرسائل المكتوبة في ظل الالتزام الأكاديمي بضرورة الإنصات والتركيز، أو التظاهر بهما.
في صباح اليوم ما قبل الأخير، كانت ترتدي الكوفية الفلسطينية حول عنقها وتتدلى على أكتافها وصدرها. قال لها ممازحاً:
"الكوفية ليست جميلة عليك". فردّت بنزق وغرور: "أنا حرة بما ألبس، المهم أنها تعجبني أنا".
أخبرته في ما بعد بأنها تحتفظ بالكوفية في حقيبتها بشكل مستمر، وذلك في حال نشوب مواجهات بالقدس، ستربطها على وجهها لتخفي ملامحها عن الجنود كي لا يعرفوها أو يحفظوا ملامحها، فتتحول الكوفية من زينة على الأكتاف إلى سلاح إخفاءٍ للهوية والملامح.
وفي ساعة المغادرة عصر اليوم، سألته عمّا إذا كان يعرف مجمع الحافلات التي تتوجه إلى الحاجز المؤدي إلى القدس، نظراً إلى عدم معرفتها بمرافق رام الله وشوارعها. وأثناء المغادرة والمشي معاً، كان يسألها عن حياتها في القدس، وظروف المدينة في ظل الاحتلال. قالت له فجأة: «أتدري؟! لقد كنت صهيونية»! فوجئ كثيراً. «صهيونية؟! أنت؟ كيف؟!»، فردت بقليل من الإسهاب: «شيء طبيعي، فقد درست في المدارس الإسرائيلية، وأبناء صفي وأصدقائي كانوا يهوداً، وتلقيت تعليمي الجامعي في الجامعة العبرية بتل أبيب في تخصص "هندسة البيئة"». فقاطعها ساخراً: «أأنت "بيئة" أم صحافة؟»
ضحكت والابتسامة ترتسم على وجهها الباعث على الارتياح، وأكملت: «تعلمت اللغة العربية من أسرتي. فقد كانت العبرية هي الدارجة في دراستي، ومن ثم اختلطت بالمجتمع العربي وتعرفت إلى قضيتي "فلسطين"، وعثرت على هويتي الأصيلة».
وصلا إلى وسط المدينة، بالقرب من الأسود الثلاثة الجاثمة في دائرة تهذي وتدوخ بين حركة المشاة والسيارات. جددت طلبها إليه أن يرشدها إلى مجمع الحافلات، فطمأنها موافقاً ومبدياً رغبته في المساعدة. ثم اصطحبها إلى شارع مختلف عن الشارع الذي أرادت قصده، فاستوضحته: «هل أنت متأكد أننا نسير في الطريق الصحيح؟». فأجابها بسؤال: «أتثقين بي؟!»، قالت: «نعم، أثق».
قال في نفسه: أي روح هذه التي تسلّم نفسها، وتثق بإنسان قد تعرفت إليه منذ بضع ساعات! مشيا في الطريق الذي ضللها إليه، كانت تتلفت يميناً ويساراً، تتفقد المكان وتتفرس بجدرانه بقلق. أعادت عليه السؤال مرة أخرى: «لا أذكر أنني مررت من هذا الشارع عندما قدمت صباحاً». فردّ عليها بغرور العارفين والساخرين: «هذا الشارع يُسمى شارع ركب، والشارع السابق الذي أتينا منه اسمه "الإرسال"، ها أنا أعطيك درساً مفيداً لتتعرفي إلى المدينة». قالت ساخرة: «يبدو أنك تائه، ولا تعرف شيئاً في رام الله». غيّر مجرى الحديث، وسألها: «لماذا أنت مغرورة بانتمائك إلى القدس؟ وعنصرية أيضاً؟! أنت تقولين: إحنا أهل القدس، وأنتم أهل المدن الفلسطينية الأخرى!! ما معنى هذا؟».
ردت بحزم وإنكار: «أنا؟! لا أبداً لست عنصرية. بلا هبل كلنا واحد يا مجنون». قال لها: «درويش قال: أنا وأنت أقل من واحد». تجاهلت ما اقتبسه من كلام درويش، وشعرت بأنه ضللها بالطريق، ورغم أنها أصبحت شبه متأكدة أنها تسلك المسار الخاطئ، إلا أنها استمرت بالمسير معه، متسلحة بابتسامتها الحلوة والشفافة التي لم تفارقها في أغلب الوقت، ومتزينةً ببريق عينيها واتساعهما المريح.
أعادت السؤال للمرة الثالثة، لكن بأسلوب هزلي ولطيف: «عيني في عينك. هل هذا هو المسار الصحيح؟»، ضحك وقال: «انظري إلى عيني. ماذا اكتشفت؟» فردت ضاحكةً، ومبدية عذرها بضرورة المغادرة: «كذاب، لقد خدعتني، هذا ليس بالطريق المؤدي إلى مجمع حافلات القدس. أنت تائه، ولا تعرف شيئاً في هذه المدينة. يا خسارة الثقة فيك!». اعترف قائلاً: «كل ما في الأمر أنني أعيش مشرداً ووحيداً هذه الأيام، في أزقة هذه المدينة الضائعة، وأردت منك أن تتشردي معي بعضاً من وقتي».

صُدم حين قالت له فجأة: «أتدري؟! لقد كنت صهيونية»!
وأضاف محاولاً استبقاءها: «امكثي وتسكعي معي لدقائق أخرى». فردت: «لا وقت لي للتشرد يا مجنون، يجب أن أغادر قبل أن يُغلق الحاجز، لأنني سأضطر إلى الانتظار هناك لا أقل من ساعتين أو ثلاث. وقد يُغلق ولا أتمكن من العبور». أجابها بجدية: «إذن دعيني الآن أصطحبك إلى حيث تريدين».
رافقها إلى مجمع الحافلات، تصافحا بعيونهما أيضاً، وتبادلا ابتسامة مهذبة، وافترقا على أمل أن يلتقيا في اليوم التالي والأخير للتدريب، لتتكلل هذه الصدفة الجميلة بوداع لائق. لكنه لسبب ما، طفق يهجس باللقاء: ماذا لو لم تأتِ غداً؟ هل كان عليَّ أن أودعها اليوم؟».
رجع إلى تشرده في شوارع المدينة، يُقلب هذين السؤالين في دماغه، فحيناً يجيب نفسه متفائلاً بقدومها غداً، ويطرد هواجسه السوداء، وحيناً يكون واقعياً فيقول لنفسه: "ربما يطرأ عليها أمرٌ ما فلا تستطيع المجيء، وربما تُصيب جندي الاحتلال نوبة مزاجية فيغلق الحاجز، فلا تستطيع هي العبور، وربما...، وربما".
في صباح اليوم التالي تحققت النبوءة السيئة. هي لم تأتِ ولن، فميعاد المجيء فاتت عليه ساعات. ظن في بادئ الأمر أنها قد تتأخر قليلاً، لكنه الآن أصبح جازماً بأنها لن تأتي.
أرسل لها كلمة واحدة برسالة نصية، مكونة من اسمها وبضع علامات استفهام. فردّت بعد دقائق: «أضعت بطاقة هويتي، فلم أستطع أن آتي».
أجابها والحسرة تملؤه: «أردت أن أراك للمرة الأخيرة، وأن أودعك. لن أستطيع أن أراك ثانية، هذا صعب». ردت عليه مواسيةً وبنبرة واثقة: وما أدراك. قد نلتقي!
أي إنسان هذا الذي ينتظر أحدهم، من أجل وداع يضاهي جمال صدفة اللقاء القصيرة والسريعة؟ أراد أن يتفرس في عينيها للمرة الأخيرة، وأن يحضن ابتسامتها، يا لها من أمنية أسقطت في صندوق المستحيلات!
حتى المرات الأخيرة لا نستطيع أن نعيشها في هذا الوطن المنكوب. وطن صغير لا يستطيع أن يعقد لقاءً مرتجلاً بين أبنائه، أو أن يصقل جغرافيته المتوترة، فيكون أقل جفاءً وغياباً.