أقرّت الحكومة السعودية أول من أمس موازنتها التوسعية لعام 2015 بإنفاق ناهز 229 مليار دولار رافعت بذلك الاتفاق إلى مستوى القياسي، إلا أن ذلك سيعني أن الموازنة ستسجل عجزاً للمرة الأولى منذ 6 سنوات بحسب ما توقعت وزارة المالية السعودية بسبب انخفاض أسعار النفط. وينتظر أن تصل قيمة العجز إلى 38،7 مليار دولار. وعلى الرغم من التوقعات بقيمة العجز، إلا أن السلطات السعودية أكدت أنها ستواصل الإنفاق على المشاريع التنموية عبر استخدام احتياطاتها المالية الضخمة التي تراكمت عبر سنوات ازدهار أسعار النفط.


ووفقاً للموازنة التي أعلنتها وزارة المالية على موقعها الإلكتروني، تتوقع الوزارة أن تبلغ النفقات العامة 860 مليار ريال (229،3 مليار دولار) في 2015 ارتفاعاً من 855 ملياراً في الموازنة الأصلية لعام 2014 والذي شهد أول خفض في الإنفاق منذ 2002.
ومن المتوقع أن تبلغ الإيرادات 715 مليار ريال في 2015، وهو ما يجعل السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم، تسجل عجزاً في الموازنة ـ للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 ـ بقيمة 145 مليار ريال.
ويزيد الإنفاق المتوقع لعام 2015 بنسبة 0،6% عن الرقم الأصلي لميزانية 2014، وهي أقل زيادة في الإنفاق منذ أكثر من عشر سنوات.
وعلى الرغم من توقعات العجز، إلا أن الحكومة السعودية ستواصل الإنفاق السخي على مشروعات التنمية عبر اللجوء إلى احتياطياتها المالية الضخمة التي تراكمت عبر سنوات ازدهار أسعار النفط التي بلغت 2،8 تريليون ريال في نهاية شهر تشرين الثاني الماضي، وهذا الأمر سيكون عاملاً إيجابياً، ليس فقط للسعودية، بل أيضاً لباقي دول مجلس التعاون الخليجي، إذ إن حركة الأموال السعودية تساعد على دعم المنطقة بداية من سوق العقارات في دبي إلى قطاع السياحة في البحرين وشركات المقاولات في الكويت.
ولفت بيان وزارة المالية إلى أن الحكومة «ستستمر في الاستثمار في المشاريع التنموية لقطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية... وستواصل انتهاج سياسة مالية معاكسة للدورات الاقتصادية لتقوية وضع المالية العامة وتعزيز استدامتها».
وأضاف البيان أن ذلك يكون عبر «بناء احتياطيات مالية من الفوائض المالية الناتجة من ارتفاع الإيرادات العامة للدولة في بعض الأعوام للاستفادة منها عند انخفاض هذه الإيرادات في أعوام أخرى».
وقدرت الوزارة أن تبلغ المصروفات الفعلية 1100 مليار ريال في 2015 والإيرادات الفعلية 1046 ملياراً في نهاية العام، وهو ما يعني تسجيل عجز بواقع 54 مليار ريال خلال العام.
وأشارت الموازنة إلى الإنفاق بقوة على مشروعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وخصصت 217 مليار ريال للإنفاق على قطاع التعليم بما يمثل 25% من النفقات، كما شملت تخصيص 160 مليار ريال للإنفاق على قطاع الرعاية الصحية.
كذلك يجري تمويل عدد كبير من مشروعات البنية التحتية الضخمة خارج الموازنة مثل مشروع مترو الرياض البالغة قيمته 22.5 مليار ريال والمتوقع استكماله بحلول 2019.
وزير المالية، إبراهيم العساف، أكد أن بلاده ستواصل تنفيذ مشروعات التنمية في المدى المتوسط، وأنها قادرة على تحمل انخفاض أسعار النفط خلال تلك الفترة.
وأوضح العساف في مقابلة مع التلفزيون السعودي، أن بلاده ستواصل تنفيذ مشروعات التنمية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة رغم هبوط أسعار النفط، مضيفاً: «العجز في الميزانية العام القادم سيصل إلى 145 مليار ريال (38.6 مليار دولار أميركي) لكن المهم في هذا الجانب... أننا سنستمر في مشاريع التنمية على المدى المتوسط».
وبيّن أن بلاده لديها ما هو كافٍ لأن تتحسن الأسعار، على الرغم من تضارب التوقعات بشأن تحسن أسعار النفط.
وبشأن الحاجة إلى تأسيس صندوق للثروة السيادية لإدارة واستثمار جزء من عائدات النفط الضخمة، على غرار دول خليجية مجاورة، أو كصندوق الثروة السيادية في النرويج أحد أكبر المستثمرين في العالم؛ لفت وزير المالية إلى أن احتياطات السعودية التي تديرها مؤسسة النقد العربي السعودي تصنف دولياً على أنها صندوق سيادي، وتدرّ عائداً يماثل الذي تحققه الصناديق السيادية العالمية، وشدد على أن السياسية النقدية للسعودية هي الأفضل لظروفها.
الاقتصادي السعودي، عبد الوهاب أبو داهش، لفت إلى أن «الموازنة تعكس نية الحكومة للاستمرار في الإنفاق التوسعي... 860 مليار ريال جاء أكثر من المتوقع في ظل أسعار النفط الحالية».
بدوره رأى مازن السديري مدير الأبحاث لدى «الاستثمار كابيتال» أن الإنفاق الحكومي الضخم الذي يمثل 34% من الناتج المحلي الإجمالي «يعكس رغبة السعودية في استمرار الإنفاق حتى إن اقتضى ذلك اللجوء إلى الاحتياطيات... لأن مواصلة النمو في السعودية أمر حيوي».
من جهته، بيّن جون سفاكياناكيس المستشار السابق لوزارة المالية السعودية والمدير الإقليمي الحالي لشركة «إدارة الأصول أشمور» في الرياض أن الرسالة التي تعكسها الميزانية هو أن الحكومة «لديها النية والقدرة المالية على تشغيل الاقتصاد».
وكعادتها لم تعلن وزارة المالية السعر الذي افترضته لبرميل النفط عند إعداد الموازنة، لكن توقعات المحللين دارت بين 50 و63 دولاراً للبرميل.
وتوقع أبو داهش في حديث لوكالة «رويترز» أن تكون الوزارة قد بنت الموازنة على أساس سعر يقل عن 50 دولاراً للبرميل، فيما توقع السديري أن يكون ذلك على أساس 63 دولاراً للبرميل.
أما مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين لدى بنك «أبو ظبي التجاري» فقالت «إنه يبدو أن الوزارة حددت سعر النفط في الموازنة عند 55 دولاراً للبرميل وعند إنتاج مستقر تقريباً في حدود 9،5 ملايين برميل يومياً».
وأضافت مالك أن «السعودية في وضع قوي لتمويل العجز... بإمكانها تحمّل السعر الجديد للنفط لعام أو عامين».
وتوقعت أنه إذا استمر تراجع الأسعار لفترة أطول، فمن المرجح أن تبدأ الحكومة في كبح جماح الإنفاق.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)