القاهرة | في بلد غيّر رئيسين وحكمه مجلس عسكري في أقل من أربع سنوات، يدور السؤال داخل أروقة السلطة عن طريقة التعامل مع رموز نظام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، الذين بدأوا العودة بقوة إلى المشهد السياسي. الإجابة، في كل الأحوال، لا تأتي من باب الصراع بين سلطة جديدة وأخرى قديمة، فالدولة العسكرية هي نفسها. لكن البحث عن الإجابة يبدأ من فهم ما يدور بين الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، والصف الأول من رجال مبارك الذين يمكن تسميتهم «الكروت المحترقة شعبياً»، وهم يحسمون كثيراً من رصيد السلطة التي تبحث عن مشروعية سياسية لتستند إليها.


تقول مصادر مطلعة إن السيسي يحاول إخفاء أنه «يخوض صراعاً خفياً مع رجال أعمال مبارك»، وبدأ الصراع عندما حاول الرئيس المصري إخضاع هؤلاء لدفع أموال في خزانة الدولة مقابل العفو عنهم في قضايا الاستيلاء على أراضي الدولة. لكن الرجال الذين استفادوا على مدار ثلاثين عاماً من امتيازات وفرها لهم مبارك، رفضوا تلك المقايضة، وظهرت بوادر ذلك في غياب دورهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي شهدت إقبالاً ضعيفاً من الناخبين، ومن هنا صاروا ينادون بنفوذهم ووزنهم في الشارع.
قائمة رجال مبارك الذين يخشاهم السيسي كثيرة، ولعلّ أبرز من فيها رجل الأعمال الغامض، محمود الجمّال، وهو صهر عائلة مبارك من طريق ابنته خديجة التي تزوجت جمال مبارك عام 2007. هذا الرجل، كان المنتج الأبرز لسيناريو توريث زوج ابنته (جمال) السلطة، قبل «ثورة يناير»، وقد زادت صلته بعائلة مبارك بعد الثورة، إذ يزور العائلة في سجن طرة ومستشفى المعادي للقوات المسلحة بانتظام.

«الفلول» قوة موازية
لطرحها أمام «الإخوان» وإشغال الثوريين فيها

الجمّال، وفق بعض المصادر، يوصف بأنه الذراع اليمنى لسوزان مبارك، زوجة الرئيس المخلوع، وهو يدير شؤون العائلة في الداخل والخارج، ويقود في الخفاء شبكة كبيرة من رجال لجنة السياسات السابقة في الحزب الوطني المنحل، بهدف إحياء مشروع وصول جمال مبارك للسلطة. أمرٌ يلقى هوى كبيراً في نفس الأم سوزان التي لم تتخلّ قطّ عن حلمها القديم. كذلك فإن الجمّال، يمتلك أموالاً طائلة، وأراضي حصل عليها أيام مبارك بالأمر المباشر، فشركته «صن سِت»، حصلت على مئات الفدانات في الساحل الشمالي، وقرابة 10 آلاف فدان في مطروح، ونحو 3 آلاف فدان في مدينة الجيزة، فضلاً عن أنه مدين للدولة بنحو 70 مليون جنيه، نتيجة تغيير نشاط شركته من الزراعي إلى السكني.
أما الرجل الثاني الذي يؤرق السلطة، فهو الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسي السابق ورئيس وزراء في عهد مبارك. ولا شك أن شفيق يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الفلول كما أظهرت النتائج في الانتخابات زمن فوز محمد مرسي، فضلاً عن دلائل أخرى. وفي حال عودة الرجل إلى مصر، فإنه سيشكل عامل قلق حقيقياً. ومع أن الأنباء تتحدث عن عمل كبير لمحاميه من أجل إنهاء المنع القضائي عليه، فإن السلطة لا تخشى عودته بحد ذاته، بل ترشحه للانتخابات والتفاف الفلول حوله، وخصوصاً أن تحالف حزب شفيق للبرلمان المقبل «الحركة الوطنية»، تنضوي تحته غالبية مرشحي الحزب الحاكم المنحل. وحتى الآن، ترفض السلطات رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول، رغم أنها برأته من قضية «أرض الطيارين»، لكنها تستخدمه في أداء أدوار لها في الخارج، وفق المصادر نفسها.
بالانتقال إلى «الكرت الثالث»، فهو رجل الأعمال، محمد أبو العينين، صاحب أكبر شركات السيراميك في مصر، ومالك قناة «صدى البلد» الفضائية الناطقة بلسان نظام مبارك والمعادية لثورة يناير. هذا الرجل كان متهماً في «موقعة الجمل» أيام الثورة، ورغم أنه يُبدي تقربه من السلطة وأيضاً الناس (عبر بوابة الأعمال الخيرية)، لكنه عبء ثقيل على نظام السيسي، لأنه مرتبط بشبكة مصالح واسعة مع رجال مبارك الذين يجهزون العدّة للبرلمان المقبل، إضافة إلى أنه من رجال الأعمال الذين تربحوا أيام الرئيس المخلوع، لدرجة أن تقارير رقابية وإعلامية تُرجح أنه حصل على أراضٍ تبلغ قيمتها السوقية الآن ما يقارب مليار جنيه.
الرابع في القائمة، هو منصور عامر. ملياردير مصري، ورجل أعمال كوّن ثروته من أيام مبارك، ويعمل في مجال المنتجعات السياحية الكبيرة. رغم الملايين الكثيرة التي تبرع بها الرجل لمغازلة السيسي، فإنه من الشخصيات التي لا تلقى ترحيباً في دوائر شعبية ونخبوية، إذ إنه متهم بالاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الدولة أقام عليها إمبراطوريته المعروفة باسم «عامر جروب». وعامر من أبرز المتعاطفين مع جمال مبارك، وهو متهم بحرق مبنى الضرائب العقارية في شباط 2012. وآنذاك، أذاعت قناة cbc التي يملكها، الخبر قبل وقوعه بساعة على الأقل، ما أثار علامات استفهام كبيرة حول دوره في الأحداث، فضلاً عن أنه متهم بقتل المتظاهرين، وتمويل «موقعة الجمل» من جيبه الخاص، طبقاً للبلاغ رقم 1691 الذي حققت فيه نيابة أمن الدولة العليا والأموال العامة، قبل تبرئته لاحقاً.
ينضم إلى القائمة السابقة رجال أعمال من أبرزهم إبراهيم كامل، وأحمد عز، وطلعت القوّاس، وحسن التونسي، وشريف والي، ومسؤولون سابقون كزهير جرانة، وأحمد المغربي، ومحمد إبراهيم سليمان، وسامح فهمي، وكذلك فتحي سرور، وصفوت الشريف. هذه الأسماء قالت مصادر لـ«الأخبار» إن أجهزة أمنية رفيعة تتجه إلى منعها من الترشح للبرلمان المقبل بأوامر من الرئاسة.
مع ما سبق، يظهر أن النظام الحالي مُرتبك في تعامله مع رجال مبارك، فالمصادر تؤكد أن «رجال مبارك حصلوا على أموال وثروات الشعب بقوانين بيضاء نفعتهم في الأيام السود، بجانب أن السلطة الحالية تستخدم طاقات رجال مبارك لإحداث توازن في الشارع ضد جماعة الإخوان، وتعرف أنهم يُمسكون مفاصل الدولة وقادرون على إحراج النظام الحالي بما لديهم من مستودع أسرار كفيل بإحداث بلبلة في الشارع». والطريقة هي «استثمار قنواتهم الفضائية وشبكات المصالح السياسية والمالية، المرتبطة بهم، لذلك تحسب السلطة ألف حساب قبل أن توجه ضربة إليهم».