لم تكن الغاية من ترتيبات إخراج علي عبدالله صالح من الرئاسة، عام 2011، وتسليم السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي، سوى إبقاء الـ«ستاتيكو» المُرضي للسعودية وآل الأحمر والأميركيين المهتمّين بملف تنظيم «القاعدة». ثم بلغ الإحباط ذروته في الأوساط الشبابية اليمنية مع إجهاض ثورتهم، قبل أن يأتي الحوار ومخرجاته مخيّبين لآمال اليمنيين الغارقين في مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية، ليتلاشى بذلك أي بصيص أمل وسط عتمة تسود البلاد.


يؤكد علم الاجتماع أن الشخصية الكاريزماتية وحدها غير قادرة على إنقاذ البلاد، ولعلّ علي عبدالله صالح خير دليل حسّي على هذه النظرية. كذلك، فإن الأحزاب المجرّبة والتقليدية لا يكفيها تاريخها لتحدث ثورةً في البلاد. علم الاجتماع يرى دائماً أن «المنقذ الحقيقي» هو القادر على قلب الواقع السياسي وإحداث تحوّل في مجرى حياة الإنسان.
وفي اليمن، حيث يعيش أكثر من نصف الشعب تحت خطر الفقر، ولا يتجاوز راتب أكثر من نصف اليمنيين دولاراً ونصف دولار يومياً، وتغيب تقريباً كل الخدمات عن المواطن، تبدو الأجواء مهيّأة لثورةٍ حقيقية. فالناس في هذا البلد ينتظرون «المخلّص»، لا همَّ لهم بدينه أو قبيلته، لأن هؤلاء كفروا بكل ما هو موجود، ويتطلّعون باتجاه حياةٍ كريمة لهم ولأبنائهم.
تنتمي «أنصار الله» إلى هذا الشعب الفقير. حيث يعيش الحوثيون المعاناة نفسها، لا بل يرون أنفسهم أكثر مظلوميةً بعد الحروب التي شُنَّها عليهم النظام. التقوقع بالنسبة إليهم في صعدة لن يثمر تغييراً، وهم يدركون وجوب التحرك خارج دائرة وجودهم.
الزيدية التي ينتمون إليها، مذهب منتشر في أغلب محافظات البلاد وبين معظم قبائل الشمال. من هنا بدؤوا يستجمعون الخيوط، ويوسعون مروحة تحالفاتهم مع بعض المشايخ والقبائل. درّبوا بعض الشباب (اللجان الشعبية)، وأمّنوا الطريق من صعدة إلى صنعاء بعد السيطرة على محافظة عمران (شمال صنعاء)، مهد آل الأحمر، ثم أحكموا قبضتهم على أغلب محافظات الشمال، في وقتٍ كانوا قد أعدّوا فيه الخطة سلفاً للتعامل مع السلطة الحالية.

أعلنت السعودية الحرب على الحوثيين عبر تنظيم «القاعدة»
تنتظر الجماعة في الجنوب أكثر مما واجهته في الشمال كله

في هذا الوقت، قرّرت حكومة هادي رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ما أثار الحنق في صدور اليمنيين الذين ضاقوا ذرعاً بالفقر والظلم. حينها، جاءت اللحظة التاريخة لـ«أنصار الله». رفعوا شعار إسقاط الحكومة وإسقاط قرار رفع الدعم، وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار. نصبوا المخيمات في صنعاء ومحيطها، التفّ الناس حولهم، دعمتهم القبائل من مختلف المحافظات، أقاموا التظاهرات، الواحدة تلوَ الأخرى. وجد الناس أملاً في الحوثيين. بدأت الوفود الشعبية والقبلية تأتيهم وتشدّ على أيديهم. كبر الزخم الشعبي، وبات أشبه بكرة ثلج تكبر يومياً. اشتعل الغضب في صدر اللواء علي محسن الأحمر الذي قتل رجاله بعض المتظاهرين أمام مجلس الوزراء والمعتصمين بالقرب من وزارة الداخلية. لحظةٌ كانت أشبه بـ«الساعة الصفر» للحركة وللّجان الشعبية المناصرة لها لدخول العاصمة عسكرياً والقضاء على العدو التاريخي لهم، علي محسن الأحمر. ساعات قليلة وكانت العاصمة تحت سيطرة «أنصار الله».
الفرقة الأولى مدرّع التابعة للأحمر والمدجّجة بالسلاح تنهار سريعاً، يهرب علي الاحمر بعدما صرخ «خيانة»، في إشارةٍ إلى بعض الضباط. وقد يكون ذلك صحيحاً، وربما لم يعد في ثكنته من يؤمن بالرجل المتحكم، مع آل الأحمر، في ثروة البلاد. وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن الخطة التي نفذتها «أنصار الله» لإسقاط الفرقة أولى مدرع (جيش علي محسن الأحمر) هي قريبة من الخطة التي كان أعدَّها ابن الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، بعد محاولة اغتياله عام 2011، لكنها لم تنفّذ يومها بطلب من صالح نفسه.
سقطت صنعاء وفرّ الأحمر في 20 أيلول 2014، ليهزّ ما جرى العالم. الرياض تتصل بطهران للتهدئة. قطر قُلِّمت أظافرها مع تشتّت حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون). المبعوث الدولي، جمال بن عمر، يتحرّك في صنعاء، بعد زيارته صعدة. الرئيس هادي والأحزاب كلّها، بمن فيهم «أنصار الله» يلتقون في القصر الرئاسي، ويخرجون بورقة منسوخة عن مطالب «أنصار الله»، اسمها اتفاق «السلم والشراكة الوطنية».
عبد الملك الحوثي ينتصر. يضع شرطين أساسيين لتأليف الحكومة: لا رئيس للحكومة له ارتباط بواشنطن، ولا دور للبنك الدولي في حلّ الأزمة الاقتصادية في اليمن. هو يقول عملياً لا للتدّخل الأميركي، سواء السياسي أو الاقتصادي في البلاد. وفعلاً، يجري تقديم أول رئيس للحكومة، يرفضه الحوثيون، ثم يوافقون على الثاني، خالد محفوظ بحاح، وإن على مضض، لتسيير أمور البلاد.
ترفض «أنصار الله» الدخول في حكومةٍ تعلم أنها ستكون محرقةً لأفرادها، تفضّل ضبط الإيقاع والإمساك بالوزارت عبر «لجنة الرقابة الثورية» التي شكّلتها قبل دخول صنعاء، وغايتها وقف صرف أيّ أموال غير رواتب الموظفين. يدققون في المرافق الحيوية كوزارة المالية وشركة النفط. يلزمون مكاتب الوزارات بتقديم كشوفات بالصرف والموارد وعدم صرف أي مبلغ من المال إلاّ بالرجوع إلى اللجنة.
هكذا، أمسكت «أنصار الله» بالملفّ المالي والسياسي. ويسأل أحدهم: أليس في ذلك هيمنة وسطوة على الدولة؟ فتجيب «أنصار الله» بأن «الدولة السابقة انتهى عقدها، الثورة الآن هي من تحكم البلاد»، وتضيف أن «القواعد القديمة يجب أن تتغير»، متسائلةً «هل نترك لبعض أزلام النظام السابق الحرية في التحكم في الوزارات وأموالها؟». يقنع جواب الجماعة المؤمنين بالتغيير، لكنهم يعتقدون أنها حالة يجب أن تكون مرحلية ريثما يعاد بناء مؤسسات الدولة.
ترى «أنصار الله» أن ما حققته ليس إلّا بداية المشوار في لعبة اليمن والأقاليم. ويعلم الحوثيون أن السعودية، صاحبة اليد الطولى في اليمن، لن تسكت عمّا أنجزوه في «حديقتها الخلفية»، بل يقولون إن السعودية أعلنت الحرب عليهم بوضوحٍ أخيراً، عبر تنظيم «القاعدة» الذي سيتحرك بقوة، ويرون أن «الإصلاح» سيتحالف مع «القاعدة» ضدهم، وأن «الحراك الجنوبي» سيدخل على الخطّ ويرفع من أزمة البلاد. وهم يعرفون أيضاً أن الرئيس هادي لن يقف متفرجاً على تقلّص دوره، وأن قطر التي تسكت الآن لن يطول صمتها كثيراً.
تتحرك «اللجان الشعبية» المناصرة لجماعة «أنصار الله» سريعاً في محافظات البيضاء، إب، ذمار، الحديدة ومحافظات أخرى. يوجّهون الضربة تلوَ الضربة لـ«القاعدة»، وبدلاً من أن يفرح الرئيس هادي ينفعل إثر هزيمة «القاعدة» في معقلها الرئيس في «رداع»، ويقوم، في تصريح غريبٍ، بمطالبة «أنصار الله» بالانسحاب وبترك الأمور للجيش اليمني. فهل بات الرئيس هادي يحب «القاعدة»؟ أم هو يتخوف من واشنطن التي لفتت نظرها نجاحات «أنصار الله» على الأرض سريعاً في وجه «القاعدة»، بعكس الجيش اليمني وغارات الطائرات الأميركية من دون طيار، أو ربما يتخوّف الرئيس هادي من سحب التنسيق الأمني من يده وربطه بـ«أنصار الله» عبر وسطاء؟
وبالتزامن، يعاني «الإصلاح» من انهيار قواه وتبعثرها. يُجري بعض قادته مراجعة لما يجري في حزبهم ولـ«الإخوان المسلمين» في المنطقة. آل الأحمر يتقلّص نفوذهم سريعاً. «الإخوان» باتوا تحت المجهر أينما كانوا في العالم. السعودية لم تكن يوماً في صفهم، بل إلى جانب قيادتهم (حميد وعلي الأحمر). فلماذا الحرب مع «أنصار الله»؟ يتحرّك «الإصلاح» بمبادرة فردية إلى صعدة، يستقبلهم عبد الملك الحوثي، يتحاورون ويتفقون على التهدئة. ويسجّل في ذلك لـ«أنصار الله» استيعابهم لـ«الإصلاح»، وللإصلاحيين، تهدئة الأوضاع لإعادة النظر في سياستهم السابقة. يبقى التعويل الآن في هذا الفريق الخاسر على «جناح توكل كرمان» التي تعدّ لإطلاق قناة «بلقيس» من تركيا.

ولكن كل ما يجري في كفّة، وجنوب اليمن في كفّة أخرى. لا تنوي «أنصار الله» دخول الجنوب أبداً. وهم أرسلوا عدداً من رسائل التواصل والتفاهم على قضيتهم. وفيما لا يثق أبناء الجنوب بساسة الشمال، هم يعدّون «أنصار الله» أفضل من غيرهم وينظرون إليها كقرينهم ممن ذاقوا مرارة النظام السابق.
يريد الحوثي من أهل الجنوب مدّ اليد إليه، يريد مساعدتهم في محاربة «القاعدة» وبناء اليمن، وهم يريدون منه كلاماً صريحاً بحق الجنوبيين في تقرير المصير. المباحثات بين الطرفين تجري في الخفاء، فالجنوب كله فخاخ ويصعب فكّ شيفراته. هناك الغنى والنفط، هناك «القاعدة» الذي يهدد أمن البلاد، وهناك النفوذ السعودي، ولا سيما في حضرموت ذات النزعة الاستقلالية، وهناك من لا يرى نفسه في يمن موحد. في جنوب اليمن، ينتظر أفراد «أنصار الله» أكثر مما واجهوه في الشمال كله. فهل من حيلة للحوثي ترضي الجنوبيين؟
عبدالملك الحوثي في المستنقع. يدرك مدى صعوبة العوم في مياه اليمن الضحلة، فهل يدرك برّ الأمان له وللبلاد؟ «أنصار الله» فاجؤوا الجميع حتى الساعة، فماذا يخبّئون بعد؟