دمشق | ما يقارب الأربع سنوات مرَّت من عمر الأزمة السورية، تاركةً السوريين وراءها يبحثون عن حلول «مؤقتة» لتبعات الحرب: انقطاع الكهرباء والمياه لساعات طويلة، وندرة وارتفاع أسعار الوقود، جعلت العودة إلى اختراعات القرن الماضي واقعية، إضافة إلى الاختراعات الجديدة البسيطة ورخيصة الثمن.


مرت رحلة المواطن السوري في البحث عن حلول خدمية عملية لتبعات الحرب بالعديد من التغيرات، اكتشف خلالها في كل مرة أن الأزمة ليست مؤقتة، ما يلزمه بإيجاد حلول غير مؤقتة أيضاً. فمع بداية الانقطاعات المتوالية للكهرباء ظهرت الشموع وقناديل زيت الكاز كبدائل من شأنها حل الأزمة، إلّا أن استمرار الانقطاع جعل العائلات تفكر مرتين. «حتى تكلفة هذه البدائل صارت مرتفعة. فإذا استهلكت الأسرة ثلاث شمعات يومياً - وهو عدد منخفض جداً بالنسبة إلى السائد - عليها أن تدفع شهرياً ما يقارب 2500 ليرة سورية»، يشرح طالب الاقتصاد في جامعة دمشق، معاذ الأغواني، في حديثٍ مع «الأخبار». هنا لجأ تجار الإلكترونيات في دمشق إلى استيراد شرائط «الليدات الكهربائية» من الصين بكميات ضخمة، إذ يسمح هذا الاختراع المأخوذ أساساً من فكرة فلاش كاميرا الهاتف المحمول، بإضاءة غرفة واسعة عبر شريطٍ واحد لا تزيد تكلفته عن 800 ليرة سورية، فيما «تصل تكلفة أربعة شرائط موصولة على بطارية سيارة إلى ما يقارب الـ 20000 ليرة سورية، لا تحتاج إلى التجديد قبل سنتين وهي كفيلة بإضاءة المنزل كاملاً». يقول زاهر شيخ الأرض، صاحب متجر الالكترونيات في منطقة الفحامة في دمشق، ويؤكد لـ«الأخبار» أن «الطلب على هذه الشرائط بات واسعاً جداً، حيث نبيع ما مقداره 300 شريط خلال أسبوع واحد».

إضاءة غرفة واسعة عبر شريط واحد لا تزيد تكلفته على 800 ليرة

من جهة أخرى، شهدت أسعار المحروقات ارتفاعات متتالية منذ بداية الحرب، فضلاً عن صعوبة تأمينها حتى بمبالغ طائلة، ما جعل اللجوء إلى مدافئ المازوت خياراً مستبعداً لدى الغالبية الساحقة من العائلات السورية. اليوم تبدو العودة إلى عشرينيات القرن الماضي هي الحل، حيث انتشرت منذ السنة الثانية للأزمة «موضة مدافئ الحطب»، التي باتت أسعارها تراوح في سوق المناخلية في دمشق بين 6000 ليرة للصاج و40000 ليرة للمصنوعة من معدن الفونت. كذلك تصل تكلفة الطن الواحد من الحطب بين 15000 إلى 24000 ليرة، بحسب نوع الخشب وجودته. وهروباً من تكلفة مدفأة الحطب الجديدة، عمدت العديد من الأسر السورية إلى تحويل مدفأة المازوت لديها قبل الأزمة إلى مدفأة حطب بتكلفة زهيدة. يؤكد الحاج سمير اللحام، الستيني صاحب أحد محالّ الخردوات في سوق المناخلية، أنه «بالرغم من رخص تكلفة مدافئ الحطب، فإن إقبال الزبائن على شراء المدافئ المستعملة ما زال يفوق بكثير إقبالهم على شراء المدافئ الجديدة».
استخراج المحروقات في مخيم اليرموك!
من داخل الحصار الذي يعيشه مخيم اليرموك منذ أكثر من سنتين، يبرز الإبداع في عقلية سكانه المحاصرين. في أحد الطوابق غير السكنية، سجَّل تسعة شبان شريطاً مصوراً يظهر عملية استخراجهم للمحروقات من بقايا القطع البلاستيكية الموجودة في المخيم. تمكنت «الأخبار» من التواصل مع الشاب الفلسطيني هيثم فهد عودة (24 عاماً) وهو أحد الشباب المشاركين في عملية استخراج المحروقات. يؤكد عودة أن «الاعتماد يأتي في الدرجة الأولى على بعض المتطوعين الذين يأتوننا يومياً بكميات كبيرة من البلاستيك. لولاهم لما استطعنا إنجاز شيء». ويضيف عودة، الذي يعمل في إحدى ورش السيارات منذ كان في السادسة عشرة من عمره: «نحن التسعة مختلفون من حيث القناعات السياسية والمزاج، أحياناً يحتدم الخلاف بيننا أثناء العمل، لكن ما يهمنا في نهاية المطاف هو تجهيز المواد بأقصى سرعة ممكنة لسكان المخيم».
في المرحلة الأولى، يجمِّع الشباب المواد البلاستيكية (السحارات والكراسي وكل ما هو مصنوع من البلاستيك) ويقصونها إلى قطع صغيرة، لتتسع في البراميل المخصصة لها. بعد ذلك توضع البراميل فوق الحطب المشتعل وتبقى لتنصهر المواد البلاستيكية بداخلها. ثم تأتي العملية الأخيرة التي تُفرز خلالها المواد بالتتالي، البنزين والمازوت والزيت المحروق والشحم، ما يسمح بتشغيل المولدات التي تؤمن استخراج المياه من آبار المخيم، وشحن البطاريات الموجودة في المنازل. في الواقع لا يبدو ذلك إنجازاً ضخماً، مقارنة بالعملية الأخرى التي يقوم بها هؤلاء الشباب، وهي استخراج الغاز من روث الأبقار، بعد وضعه في برميل وتركه 15 يوماً في الشمس!