غزة | أثار الحديث عن فرض ضريبة جديدة على السلع الآتية من الضفة المحتلة، ضجةً كبيرة في غزة، إذ إن الغزيين لم يستفيقوا بعد من أزمة الغاز التي تسبّبت فيها وزارة المالية في حكومة «حماس» السابقة، بعدما فرضت ضريبة دولار واحد على كل أسطوانة غاز منزلي. وبالنسبة إليهم، يجري اليوم اجتراح طريقة جديدة وغير مباشرة لجباية الضرائب من المواطنين، هذه المرة عبر التجّار، بواسطة فرض رسوم على كل البضائع المستوردة، التي تدخل إلى القطاع عبر معبر «كرم أبو سالم».

ولم يغيّر الإعلان الأخير لوزارة الاقتصاد في الحكومة السابقة، الكثير من التبرّم بين الغزيين، إذ أكدت الوزارة، أول من أمس، أن الرسوم الجديدة على السلع المستوردة «لن تغيّر في سعر السلعة، ولن تمسّ المواطنين، ولن تؤثر في الحركة الشرائية».

وبرغم التحقق من وجود ضرائب على التجار، نفى مدير الضرائب في وزارة المالية في غزة، رائد رجب، فرض الوزارة أي ضرائب جديدة على السلع التموينية والمستوردة الآتية من الضفة، لكنه قال: «برغم عدم فرضنا أي ضرائب جديدة، فقد درسنا آلية جديدة للسيطرة على رفع الأسعار الذي يفعله بعض التجار لخفض نسبة الضرائب حول بضاعته، أو حتى التهرّب منها عبر خدع ينتهجها بعضهم». ويوضح رجب، في حديث مع «الأخبار»، أن السلع التي تخضع لـ«الآلية الجديدة» هي المستوردة فقط، أما التي تصل من الضفة، «فهي لا تخضع لقانون الضرائب على اعتبار أننا وطن واحد، فما يأتي من الضفة إلى غزة كالذي يذهب من رام الله إلى الخليل».
هذا الكلام يرفضه أحد التجار الذي أدخل عبر «كرم أبو سالم» سلعاً غذائية آتية من الضفة، ويؤكد فرض ضريبة عليها، لكن رجب يرد أيضا على هذا التاجر، قائلا: «هذا يحدث مع الشركات المعروفة بتهربها من الضرائب، وذلك متفق عليه في قانون الضرائب... هؤلاء يجري فرض الضريبة عليهم، ويجري إبلاغهم بذلك». وأضاف: «نفعل هذا مع بعض التجار الذين يتلاعبون بالأسعار ويثبت عليهم ذلك، فوفق الإشعارات التي تصلنا نجبرهم على دفع فرق السعر».
رجب ظل يشدد على أن جباية الضرائب في الآونة الأخيرة، تجري عبر التوافق مع التجار، لا بالقوة «وحكم العسكر». وإذا تأذّى أحدٌ ما وشعر بأنه مظلوم، فإن «مكاتبنا مفتوحة لكل المواطنين والتجار».
ويقدر مدير الضرائب في المالية، حجم الإيراد الناتج عن جباية الضرائب بـ25 مليون شيكل شهرياً (نحو 6 ملايين دولار)، على أن تستخدمها وزارة المالية في تشغيلات الوزارات من مخصصات كالسولار والنثريات والطعام والشراب، وهي «لا تكاد تكفي، إذ تقلصت إلى النصف نتيجة عدم تواصل حكومة الحمدالله معنا»، وفق قوله.
في هذا الوقت، أشارت مصادر مسؤولة في وزارة المالية، أن الأخيرة تعيش فراغاً حقيقياً في ظلّ تجاهل الحمدالله وحكومته لها، ونقصان الأموال التشغيلية للوزارات كافة، «وهو ما دفعهم إلى صياغة طرق جديدة لجباية الضرائب بما لا يتنافى مع القانون، ولا يؤثر في سير عملية المصالحة»، واستدركت المصادر لـ«الأخبار»: «إذا كان هناك مصالحة أصلاً»، مشيرة إلى أنه يجري تغيير المديرين في وزارة المالية، وخصوصاً وحدة الضرائب بين كل مدة وأخرى من دون أي سبب يذكر، لكن بعد تسلّم المدير الجديد منصبه «نسمع بفرض ضريبة جديدة في البلد»!
وفي وقت سابق، أصدرت وزارة المالية بياناً، قدرت فيه قيمة الضريبة على كل حاوية من الملابس المصنعة في الصين، بـ5000 شيكل (1 دولار = 3.9 شيقل). أما تلك المصنعة في تركيا، فستفرض عليها 3000 شيكل، فيما فرضت 1500 شيكل على كل حاوية محملة بالمواد الغذائية، طبقا للإشعارات التي تحصل عليها مالية غزة من الأسعار العالمية للسوق.
هذا البيان رأى فيه الغزيون مؤشراً واضحاً على احتمال غلاء الأسعار على كل السلع، بما فيها المواد التموينية التي لا يستطيع المواطن العادي توفيرها في ظلّ الفقر والبطالة المنتشرين.
ومن هذا القرار، بدا أن المواطن يدفع أولاً وأخيراً ثمن مناكفات بين «فتح» و«حماس»، فالأخيرة، برأيهم، لم يكن تسليمها الحكم لحكومة التوافق سوى حبراً على ورق.
«كل مقاليد القطاع بيد الأجهزة الأمنية المشرفة عليها، وليس بيدنا أي حيلة فإما أن تتوقف أعمالنا وإما أن نرضخ للأمر الواقع... هو ما اعتادته غزة خلال أعوام حكم حماس لنا شئنا أم أبينا»، يقول التاجر إبراهيم الشافعي. ويرى الشافي أن «حماس» لم تجد وسيلة لتشغيل وزاراتها إلا عبر إلقاء العبء الأكبر على كاهل المواطنين الذين يعانون الأمرين أساساً من سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ليدفعوا ثمن «المناكفات السياسية» من جديد.
أما التاجر أبو محمد، فتذمّر من الضرائب التي تفرض على البضائع التي يستوردها عبر «كرم أبو سالم»، ويقول: «كل يوم والتاني بجيبولنا قصة جديدة، وضريبة جديدة ولا عمرنا سمعنا فيها، كل همهم لمّ المصاري وبس، مش مراعيين وضع البلد ولا الناس». ويوضح التاجر أن الخاسر الأول والأخير هو المواطن، وذلك نتيجة لاضطرارهم «مرغمين» إلى رفع أسعار الضرائب كي يربحوا من تجارتهم، ويتابع: «شغلنا إنه نفيد ونستفيد، لكن يوم ما تصفي الشغلة بس تعب على الفاضي بلاش منها»، مكملا: «حماس تعيش فراغا سياسيا واقتصاديا، ولا تعرف أن ذلك يؤذيها أكثر مما يفيدها، باحتقان الشارع ضدها».
ولم يخفِ أبو محمد أن الحكومة المسيطرة على غزة، «تستعرض عضلاتها» من خلال تحكّمها في البلد على «أساس أنها ملك لوالدها»، كل ذلك فقط لحصر عدد التجار بالقادرين على دفع تلك الضرائب والذين هم أصلاً تابعون للحركة، ويسعون إلى إنعاش اقتصادهم المتدهور حتى لو كان على حساب المواطن «الغلبان».
في الشارع الغزّي امتعاض كبير من القرار الأخير. حتى السائق محمد عبده (35 عاماً) لا يتوقف عن التأفف والتذمر من الضرائب المفروضة من مالية غزة عليهم من خلال الحملات المرورية التي تطلقها الشرطة، وتفتيش السيارات حول الترخيص والتأمين. «هدول جماعة مش عارفين كيف بدّهم يلموا مصاري من الناس، مش قادرين على فتح ورئيسهم بييجوا علينا إحنا الغلابى»، يقول غاضبا. ويضيف: «يعني همّا مش عارفين إنه البلد على كفّ عفريت، بعد الحرب، لا فتحوا المطار ولا بنوا المينا ولا تصالحوا مع عدواتهم، كل هذا ما عملوه، بس بتشطّروا على الغلابى»، مستطرداً: «أنا عندي عيلة من 10 أفراد طول اليوم بشتغل ولكن بآخر اليوم دوبي إقدر أحصل على 20 شيكل منشان أطعمي ولادي بعدما أعطي صاحب السيارة الغلّة».