بعد أربعة أشهر من وقف الحرب التدميرية في غزة، لا تزال المفاوضات حول بنود الاتفاق وخاصة إعادة إعمار القطاع غائبة عن المشهد، كأنه لا دمار ولا آلاف الشهداء والجرحى. ولتكون الأمور واضحة، فإنه من وجهة النظر الإسرائيلية لا مصلحة في حشر غزة أمام معركة اللاخيار، فالسيناريو الأخطر، المفترض أنه حاضر أمام قادة تل أبيب، يكمن في الحالة التي لا يجد فيها الفلسطينيون ما لا يخسرونه في أي معركة مقبلة.


وثمة نظرة إلى هذه المفاوضات يبدو أنها تحكم تل أبيب والقاهرة في آن واحد، وهي أنه ينبغي ألا تكون المباحثات غير المباشرة مدخلا لإنجازات سياسية للمقاومة، وخاصة عندما تكون من النوع الذي يشعر معه الشعب الفلسطيني بأن المقاومة هي التي حققت له تقدما في قضاياه، بعدما تمكنت من تحرير القطاع، بل ينبغي، وفق الجهات نفسها، أن تكون ساحة التفاوض أداة لتثمير سياسي يكمل ما مارسته آلة والقتل الدمار. فتصير نوعا من المقايضة بين خيار المقاومة، وتحسين مستوى الحياة في غزة.
بين هذه الضوابط، تتحرك التقديرات والتوجهات الإسرائيلية والمصرية، لكن التحدي الماثل أمام صناع القرار السياسي والأمني يبقى إمكانية الجمع بين الحؤول دون الإنجازات التي يتخوفون منها، والمكافأة المفترضة التي ينبغي تقديمها إلى الطرف الفلسطيني حتى لا يندفع نحو معركة مقبلة.
ضمن هذا الاطار، قالت تقارير إعلامية عبرية، قبل أسابيع، إن الجيش أوصى أمام الحكومة بتخفيف الضغوط العسكرية على «حماس» في القطاع لمنع استئناف القتال. فجرى الحديث عن «فتح مناطق الصيد، وتسهيل الحركة في معبر ايرز وتسهيل نقل البضائع إلى القطاع»، على أن يساعد كل ذلك على إبقاء الهدوء.

قائد عسكري إسرائيلي: غضب القاهرة من «حماس» يؤخر التفاوض

برغم ذلك، لا يكفي التقاطع في الرؤية بين الطرفين الإسرائيلي والمصري، إذ يوجد هامش من التباين كما توحي بعض التقارير الإعلامية، وخاصة أن السياسة المتبعة مع غزة تُظهر أن المواجهة مستمرة ضد «حماس» بأدوات مختلفة من جهة مصر. أما الإسرائيلي، فهو يتخوف من أن ينعكس ذلك سلبياً على أمن مستوطنات الجنوب مع استمرار الرسائل الصاروخية. ويعود تفسير هذا التباين، بين تل أبيب والقاهرة، إلى أن الأخيرة «تخوض معركة شرسة ضد الإرهاب». ووفق الرؤية المصرية، فإن الصراع مع «حماس» يأتي امتدادا لهذه المعركة. وهو ما يوجب، من منظور مصري، منع عقد تسويات من النوع الذي يوفر للطرف الفلسطيني إنجازات ما، سواء بإعادة الإعمار أو فك الحصار، وصولا إلى عمليات تبادل الأسرى.
وفي هذا السياق يندرج ما أورده الإعلام العبري عن أن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، طلب من رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تأخير الذهاب نحو صفقة تبادل في هذه المرحلة.
إلى ذلك، تأتي الانتخابات العامة في إسرائيل كعامل إضافي يعزز حاجة نتنياهو إلى تثبيت الوضع القائم حتى لا يستغل خصومه ومنافسوه أي تدهور لإثبات إخفاقه في الحرب الأخيرة على القطاع. لكن هذه السياسة قد تكون مجدية حتى أمد زمني ما، فكلما امتد الوقت، ازدادت الدوافع الفلسطينية لإعادة تحريك الواقع الأمني.
نتيجة هذه المخاوف، تحضر بين مدة وأخرى هذه القضية في كلام الخبراء من ذوي الصلة السابقة بآلية صناعة القرار السياسي والأمني. وآخرهم رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، اللواء غيورا ايلاند. الذي رأى، أن «حماس» وافقت قبل بضعة أشهر على وقف النار لسببين أولهما «الثمن الذي دفعته وأفهمها أنه بعد الحفاظ على الهدوء لشهر ستبدأ المباحثات على إعمار القطاع، لكن بعد أربعة أشهر من وقف النار، لا يبدو في الأفق أن هناك بداية لهذه المباحثات».
والسبب وفق ايلاند الذي تحدث في مقالة في صحيفة «يديعوت احرونوت» يوم أمس، يعود إلى مصر «المشغولة في مواجهة الإرهاب في سيناء، والغاضبة من حماس التي بزعمهم تساعد أولئك الإرهابيين». في المقابل، أكد الرجل أن هناك مصلحة إسرائيلية في استئناف المحادثات، مؤكدا أن «الردع الذي تحقق في عملية الجرف الصامد لن يكفي، فإلى جانب العصا، من الأجدى تقديم جزرة أيضا. عبر إعادة إعمار القطاع اقتصادياً وحل المشكلات الإنسانية العاجلة»، محذرا من أنه «إذا لم يبدأ هذا المسار قريبا، فلا ينبغي أن نفاجأ إذا عدنا إلى دائرة الصواريخ والنار... حتى قبل الانتخابات».