رام الله | يستطيع سامر (8 سنوات)، أن يفرّق بين قناص «التوتو» الذي يصفه بـ«صاحب البندقية الطويلة»، ومطلق قنابل الغاز صاحب البندقية العريضة. ابن قرية النبي صالح، الواقعة شمال غرب رام الله، يعرف أيضاً الفرق بين قنبلة الغاز التي يطلقها «جيب» الاحتلال، وتلك التي يطلقها الجندي من بندقيته. أما محمد (13 سنة)، فأصبح خبيراً بحركة الهواء، في حال ضرب قنابل الغاز والصوت، وبإمكانه أن يرسم خريطةً لحركة الجنود الإسرائيليين، ثم يدلّ من حوله على كيفية النجاة من الرصاص.


في المكان نفسه، تصرّ عهد (10 سنوات) التي رأت أمها تصاب بنار أحد الجنود، على أن تتعلم في كل أسبوع، أغنية وطنية جديدة، أو قصيدة تشجّ فيها رؤوس الجنود، بالعربية والإنكليزية وحتى الفرنسية. وبجانبها تقف جنى (9 سنوات)، بعدما صارت صديقة الصحافيين. تعد تقريراً مصوراً تستعير من أجله هاتف أمها، وتنسى أحياناً أنها تعد تقريراً، فتغير لغتها الفصحى إلى العامية المليئة بالغضب، لتطالب أصحاب البنادق والقنابل بالرحيل عن أرضها، ثم تختم ما أعدته بعبارة: «جنى جهاد، قرية النبي صالح، فلسطين».
هي صورة مكتملة لعائلة التميمي التي يقود نساؤها وأطفالها مسيرةً أسبوعية منذ أربع سنوات، من دون كلل أو ملل، ما دفع وسائل الإعلام الاسرائيلية إلى وصف هؤلاء الأطفال بـ«السليطي اللسان» و«المجرمين» و«الإرهابيين». كأنما ابتسامات الصغار ووعيهم تاريخ وطنهم وانتماؤهم إلى أرضهم، أرهبت الاحتلال وأفزعه هذا الإصرار على استمرار المسيرات الأسبوعية.
في كل جمعة، موعد المسيرة، تزداد نسبة الخطورة في القرية، إذ لا يجد الأهالي أي ملجأ من القنابل المسيلة للدموع أو الصوتية، إضافةً إلى الرصاص الحيّ والمطاطي الذي يدخل البيوت كافة، من دون التفريق بين طفل أو امرأة أو كبير في السن.
ناريمان التميمي، أمٌّ لأربعة أبناء، كغيرها من أمهات فلسطين، تصنع من حضنها حصناً لأبنائها. تقول: «هؤلاء الأطفال الشجعان هم فلذات أكبادنا، من الخطر أن نبقيهم في البيوت وأن نخرج، لا مكان آمناً هنا... نستمد منهم الشجاعة، إنهم شجعان». كذلك يضيف زوجها: «خروج الأبناء لهذه المسيرات ليس خطراً بقدر الخطر الذي قد نصنعه إذا ما أخفناهم من الاحتلال... لقد كسروا حاجز الخوف ورفضوا سلطة الاحتلال على أرضهم، الآن هم أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر شجاعة ووعياً بقضيتهم».
بعد المسيرات، يخيّم هدوءٌ ثقيل على الأطفال، قد يترجم الآثار النفسية التي سببتها المواجهات مع قوات الاحتلال، وخصوصاً بعدما رأى هؤلاء الرصاصات تخترق أجساد الكبار والصغار، في ظلّ اختناق القرية بضباب القنابل. لكنهم في النهاية يعودون إلى ساحات البيوت، حيث يلعبون ويدرسون، ويسردون حكايات عن مغامراتهم في مواجهة الاحتلال... ثم يستعدّون لمسيرة الجمعة المقبلة.