بينما يجري الحديث عن دراسة واشنطن خطوات تشديدية تجاه الاستيطان الإسرائيلي شرقي القدس وفي الضفة المحتلة، يصوّت مجلس الشيوخ الأميركي، بغالبية كبرى، على قرار يقضي بتعزيز العلاقات الأمنية ـ الاستراتيجية مع إسرائيل، بعدما صوّت قبل يومين على قرار يقضي بتعزيز العلاقة مع تل أبيب.


هذا «التناقض الظاهري» كفيل بإيضاح حقيقة السياسة الأميركية تجاه الاحتلال. فبموجب قرار مجلس الشيوخ، ستنضمّ إسرائيل إلى برنامج يتاح بموجبه للمواطنين الإسرائيليين زيارة الولايات المتحدة من دون تأشيرة دخول، ولكن بشروط معينة. كذلك يقضي القرار بتعزيز الدعم العسكري في حالات الطوارئ. وكان القرار نفسه قد مرّر في الكونغرس بسهولة، وبات بانتظار توقيع الرئيس باراك أوباما.
في السياق، أثنت السيناتور، باربرا بوكسر، وهي صاحبة اقتراح مشروع التصويت، على «الصوت الواحد» للمجلسين بشأن تعميق العلاقة مع «الشريكة الأقرب في الشرق الأوسط»، وهكذا يكون التصويت معززاً للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، إذ ستزيد الولايات المتحدة حجم مساعداتها العسكرية بحوالى 200 مليون دولار في حالات الطوارئ، وبذلك يبلغ إجمالي الدّعم قرابة 1,8 مليار دولار. كذلك سيعزّز القرار التعاون في مجالات الماء، والطاقة، والأمن الداخلي، وتقنيات بدائل الوقود، وتأمين الشبكة الإلكترونيّة.
مما سبق، تكون إسرائيل قد انضمّت إلى قائمة الدول الاستثنائية التي تضم 38 دولة من أوروبا وآسيا، ويسمح لمواطنيها بدخول الأراضي الأميركية لمدّة 90 يوماً من دون تأشيرة، شريطة أن يكونوا مسجّلين إلكترونياً قبل صعودهم إلى الطّائرة. وكان أوباما قد عارض مسألة ضم إسرائيل إلى مجموعة الدول الاستثنائية، رغم عمل رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، واللوبي اليهودي «إيباك»، ونوّاب كونغرس مؤيدين لإسرائيل، على إقرار هذه الخطوة.
في توقيت لافت بالتزامن مع المسار الانتخابي في إسرائيل، كشفت صحيفة «هآرتس» أنّ الإدارة الأميركية تدرس سبل تشديد خطواتها ضد الاستيطان في الضفة المحتلة وشرقي القدس. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين، رفيعي المستوى، أنه عقدت قبل عدة أسابيع جلسة سريّة في البيت الأبيض، نوقش فيها إمكانية الانتقال من سياسة الإدانة فحسب إلى «سياسة عملية ضد الاستيطان». ووفق «هآرتس»، لم ينف عدد من المسؤولين الأميركيين هذه القضية، لكنهم رفضوا الكشف عن التفاصيل. كذلك رفضت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي، برناديت ميهان، التعقيب على هذه المعلومات.
ورأت الصحيفة العبرية أنّ إجراء مثل هذا النقاش المشحون في البيت الأبيض «يدل على المستوى المتدني الذي وصلت اليه العلاقات بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو»، علماً بأن واشنطن كانت تكتفي حتى هذه المرحلة بالإدانة فقط، فيما فرضت الدول الأوروبية عقوبات على المستوطنات. واللافت ما نقلته «هآرتس» عن مسؤول إسرائيلي وصفته بالمطلع على الموضوع عن طريق شخصيات أميركية رسمية، ومفاده أن النقاش في هذا الموضوع بدأ داخل القيادة الأميركية في أعقاب اللقاء الأخير بين أوباما ونتنياهو مطلع تشرين الأول الماضي، وما تلاه من مواجهة علنية في موضوع الاستيطان.
يُشار الى أنه قبل يوم من وصول نتنياهو إلى البيت الأبيض، استولى المستوطنون على سبعة منازل في حي سلوان شرقي القدس، وقبل ساعات قليلة من اللقاء أيضاً، كشفت حركة «السلام الآن» عن قرار بلدية القدس بناء 2600 وحدة استيطانية جديدة في حي «غبعات همطوس» الذي يقع وراء حدود الأراضي المحتلة.
هذا الأمر أدى إلى ردود متبادلة بين واشنطن وتل أبيب، بل دفعت نتنياهو إلى الرد بلهجة شديدة على الانتقاد الأميركي، معتبراً أنه يتعارض مع القيم الأميركية، وهو الأمر الذي اعتبر آنذاك هجوماً مباشراً على الرئيس أوباما، وأدى إلى ازدياد الغضب الأميركي.
كذلك أدّى الإخفاق في لقاء أوباما ـ نتنياهو، وما تلاه من إحباط أميركي، إلى فهم الإدارة أن الإدانة، وإن كانت شديدة اللهجة، لم تعد تجدي نفعاً، وخاصة أن استمرار البناء الاستيطاني، شرقي القدس، يهدّد حلّ الدولتين، لذلك تقرّر فحص تشديد الخطوات الأميركية.
وشارك في الاجتماع المذكور مسؤولون كبار من وزارة الخارجية والبيت الأبيض، ولا سيما الشخصيات التي تنشغل في الموضوع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وقال المسؤول الإسرائيلي المطلع إن «مقترحات للعمل على مستويات مختلفة نوقشت خلال الاجتماع، كي يوضح لإسرائيل أن واشنطن تعارض الاستيطان الإسرائيلي وأبعاده. وتقول «هآرتس» إنه من بين الخطوات التي يمكن للولايات المتحدة أن تتبنّاها «الامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو) خلال التصويت في مجلس الأمن على قرارات تدين الاستيطان، وكذلك منع التعاون الأميركي أو تمويل نشاطات في المستوطنات». لكن لم تحدد حتى الآن الخطوات الممكنة، كما ليس واضحاً كيف سيؤثر قرار تقديم موعد الانتخابات الإسرائيلية في الموقف الأميركي بشأن المستوطنات؟
على خطّ مواز، ذكرت «هآرتس» أن الدول الأوروبية الكبرى الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تعمل على صياغة مسودة مشروع قرار مشترك لتقديمه إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل مطالبته بتحديد مبادئ لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وتحديد جدول زمني مداه عامان لاستكمال المفاوضات حول الحل الدائم. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين إسرائيليين قولهم، إنّ «فرنسا تقود هذه الخطوة، كونها عضواً دائماً في المجلس، ولكنها نجحت في الأسبوعين الأخيرين في إقناع بريطانيا وألمانيا بدعم المبادرة»، كما قيل إن المبادرة الأوروبية تشكل رداً على المبادرة الفلسطينية التي وصفت بأنها «متطرفة وغير متوازنة»، وحظيت مؤخراً بتأييد الجامعة العربية، ويجري دفعها في مجلس الأمن عن طريق الأردن. وتدعو المبادرة الفلسطينية إلى الانسحاب الإسرائيلي من الضفة خلال عامين، والاعتراف فوراً بفلسطين كعضو دائم في الأمم المتحدة، فيما ينوي الفلسطينيون طرحها للتصويت في النصف الثاني من الشهر الجاري.
(الأخبار)