غزة | حالة فوضى كبيرة تجتاح مستشفيات قطاع غزة بعدما ترك إضراب عمال النظافة الشامل آثاره على جميع الأقسام، بدءاً من الاستقبال، مروراً بالعمليات وغرف المرضى، حتى العناية المركزة. كل هذه الأقسام صارت محطاً للقمامة والروائح الكريهة المنبعثة من غرف العمليات أو غسيل الكلى بسبب الدماء المتناثرة على الأرض. وبينما يضطر من ينهي العلاج إلى الهرب من المستشفى، يثابر الأطباء والممرضون في عملهم بوضع الكمامات على أنوفهم، كما يرفضون استقبال أي حالات غير حرجة، فضلاً عن تقليل عدد مرافقي المرضى، من أجل ضمان عدم انتقال العدوى في ظل غياب التعقيم.


هذا المشهد السيريالي سببه إضراب نحو 700 عامل نظافة في مستشفيات القطاع «إلى أجل غير مسمى» بعدما نفذوا في الأسابيع الماضية إضرابات عدة جزئية وكلية (العدد ٢٤٠٦ في ٢٩ أيلول) احتجاجاً على تأخر صرف رواتبهم القليلة أصلاً (155 دولاراً شهرياً للفرد) على مدار ستة أشهر، فيما يقول المسؤولون في غزة إن وزارة الصحة في حكومة التوافق لا ترسل النفقات التشغيلية اللازمة؛ ومنها رواتب هؤلاء المضربين. وضع اضطر الوزارة في غزة إلى إعلان الطوارئ خوفاً من تحول المستشفيات إلى مكان للوباء، لا للعلاج، كما منعت استقبال حالات جديدة خوفاً على حياتها.
في مستشفى الشفاء في غزة، زاد على بعض الأطباء والممرضين مهمة أخرى هي تنفيذهم حملة تنظيف بأنفسهم، وذلك بمساعدة مرافقي المرضى، لكن ذلك لم يقض على أكوام القمامة في كل زوايا المستشفى. ومن المعروف أيضاً أن تنظيف غرف العمليات والجراحة يحتاج إلى مهارة وأدوات معينة، فضلاً عن مشهد ملاحقة القطط والحشرات التي تجمعت حول الدماء.
المتحدث باسم «الصحة» في غزة، أشرف القدرة، حذر من عواقب صحية وخيمة تهدد حياة المرضى. ويقول للأخبار: «هذه كارثة حقيقية... لكم أن تتخيلوا ماذا تعني مستشفيات بلا نظافة، والعمال جلسوا في منازلهم حتى صرف رواتبهم»، محملاً المسؤولية لحكومة الوفاق. في المقابل، جرت محاولات عدة للاتصال بمسؤولي الصحة، في رام الله، لكنهم لم يجيبوا على هواتفهم.
أما حركة «حماس»، فوجدت في إضراب العمال فرصة لتتهم رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس الحكومة رامي الحمدالله بالتقصير عن تحمل المسؤوليات في غزة، بل تعمدهما الإهمال. ويقول المتحدث باسم الحركة، فوزي برهوم، إن «هذا الإهمال تسبب بتوقف عمل شركات النظافة في المؤسسات الصحية لأنها لم تتلق مخصصاتها منذ سبعة أشهر، رغم كل المناشدات والمطالبات لحل هذه المشكلة». وحمّل برهوم، في بيان، التداعيات لوزير الصحة جواد عواد، «ومن بعده رامي الحمدالله، ومحمود عباس».
ومع وضع القضايا الخلافية جانباً، فإن أزمة كبيرة تمس السلامة العامة، يمكن لأي جهة مسؤولة أو ذات علاقة حلها. وبحسبة بسيطة، فإن كل رواتب عمال نظافة المستشفيات في غزة لا تتجاوز نحو 100 ألف دولار شهرياً، وهو مبلغ زهيد مقارنة بما تطالب به «حماس» لموظفيها، أو ما تتحدث عنه السلطة بشأن «الموازنات الكبيرة» التي تصرفها على القطاع، وخاصة أن وزير العمل، مأمون أبوشهلا، صرح بأن 45% من الموازنة العامة في 2015 ستخصص لغزة. لكن عمال النظافة يصرّون، في أحاديث متفرقة مع «الأخبار»، على مطالبهم لأن «الظلم» الذي يتعرضون له صار يمسّ قوت أبنائهم، كما يقولون.