القاهرة | لا تزال تصفية قضاة جماعة «الإخوان المسلمون» مستمرة في مصر. أمس أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي ثلاثة قرارات جمهورية تم بموجبها إحالة النائب العام الأسبق، المستشار طلعت عبدالله الذي عيّنه الرئيس الأسبق محمد مرسي على المعاش، فعزل بحكم قضائي مع ثمانية قضاة آخرين.

إحالة عبدالله على المعاش جاءت بعد «إدانته من مجلس التأديب لعدم سداد المبالغ المالية المستحقة لرجل أعمال أرسى عليه بالأمر المباشر مهمة تزويد مكتب النائب العام بكاميرات مراقبة»، وهي الاتهامات الأقل بين القضاة الآخرين، إذ أحيل الرئيس السابق في محكمة استئناف القاهرة، المستشار أحمد يحيى، على المعاش بعد إدانته بتهمة الإدلاء بتصريحات سياسية، والمشاركة في اعتصام أنصار «الإخوان» في ميدان «رابعة العدوية» قبل فضّه. أيضاً أحيل سبعة قضاة من حركة «قضاة من أجل مصر» على المعاش أيضاً لاتهامهم بتأييد الجماعة المحظورة.

ومن الواضح أن قرارات السيسي تأتي ضمن اتجاه الدولة للتخلص من القضاة المتعاطفين مع الجماعة، ويبدو أن بعضهم يعتنقون أفكارها، لذلك أصبحوا من اللحظة الأولى هدف مجلس القضاء الأعلى، وهو أعلى جهة قضائية في مصر، ومعه نادي القضاة الذي يلاحقهم بالبلاغات مطالباً بإبعادهم عن منصة القضاء من بوابة قانون يحظر على القضاة العمل في السياسة.
كذلك أحال قاضي التحقيق 60 قاضياً على ما يسمى الصلاحية، إذ تجري محاكمة 56 منهم راهناً أمام مجلس التأديب والصلاحية التابع لمحكمة استئناف القاهرة، ويحق لهذا المجلس إحالتهم إلى وظيفة إدارية أو على المعاش. وفي حال صدور حكم نهائي ضدهم من مجلس التأديب الاستئنافي التابع لمحكمة النقض، وهو الدرجة الأخيرة للاستئناف على الأحكام، يصدر الرئيس قرارات جمهورية بتنفيذ حكم المجلس وفقاً للقانون والدستور.
وبشأن تهمة المشاركة في السياسة، فإنه بالنظر إلى انشغال فئات الشعب المصري في السياسة ما بعد ثورة «25 يناير»، يمكن فهم مشاركة عدد كبير منهم، إن لم يكن جميعهم، في قضايا سياسية، وهي مخالفة واضحة للقانون. في مقدمتهم يمكن الإشارة إلى رئيس نادي القضاة، المستشار أحمد الزند الذي أعلن مواقف عديدة باسم القضاة في عدة مراحل، ومن بينها رفض الإعلان الدستوري الصادر عن مرسي، قبل إلغائه بعد أسبوعين من صدوره فقط.
وخلال العام الذي صعد فيه «الإخوان المسلمون» إلى رأس السلطة، أعلن عدة قضاة انحيازهم إلى الجماعة، وخاصة في قضايا جدلية داخل القضاء، منها تخفيض سن التقاعد، وتطهير القضاء من المتعاونين مع نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذين شاركوا في الإشراف على الانتخابات البرلمانية المزورة في تشرين الثاني 2010، وقيل إنها كانت أحد أسباب ثورة يناير.
أيضاً، ثمة قضاة مثل المنتمين إلى تيار الاستقلال الذي عارض نظام مبارك، وصعدوا إلى مناصب قيادية سريعة، ومنهم المستشار محمود مكي الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية قبل أن يتقاعد، كذلك اختير وزيراً للعدل، وخلفه في المنصب المستشار أحمد سليمان (رئيس نادي قضاة المنيا)، وهذا كان مخالفاً للعرف الذي يقضي بأن يكون وزير العدل من القضاة المتقاعدين. ليس هذا فحسب، فقد عيّن المستشار هشام جنينه رئيساً للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو الجهة الرقابية الأكبر على جميع الجهات والهيئات الحكومية!
ما سبق يبعد الفكرة عن صحة التهمة كاستناد لإقصاء القضاة، فالخصام والسجال بين القضاة المؤيدين للجماعة والمعارضين لها شهدا أقصى درجاتهما خلال تظاهرات «30 يونيو» وما تلاها من بيان عزل مرسي عن السلطة وتكليف رئيس المحكمة الدستورية بتولّي الرئاسة مؤقتاً، ليشارك في إلقاء البيان رئيس مجلس القضاء الأعلى، المستشار حامد عبدالله، وليس أكثر من ذلك دلالة على الانخراط الواضح في السياسة من أعلى سلطة قضائية.
وخلال اعتصام أنصار الرئيس المعزول، أطلق عدد من القضاة بياناً طالبوا فيه بالاحتكام إلى الشرعية، وأذيع عبر شاشة قناة «الجزيرة» القطرية من المنصة التي أقامتها الجماعة في ميدان «رابعة العدوية» بعد رفض التلفزيون المصري إذاعة البيان عن القضاة.
ومع أن القضاة المحاكمين لم يعلنوا دعم اعتصام الجماعة خلال المرحلة الماضية، فإن نادي القضاة استغل البيانات من أجل تصفية الحسابات سريعاً معهم تحت ذريعة دعم الإرهاب والانشغال بالسياسة، فسعى إلى تحريك بلاغات ضدهم أحيلت على قاضي التحقيق الذي رفع توصية بإحالتهم على الصلاحية.
وعملياً، بدأت تصفية الحسابات مع القضاة بعد فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» لأنصار «الإخوان» في شهر آب 2013، فرفض مجلس القضاء الأعلى طلب عودة أحمد سليمان (وزير العدل السابق) إلى منصبه القضائي مرة أخرى، في سابقة هي الأولى من نوعها من سماح المحكمة الدستورية العليا للمستشار حاتم بجاتو، الوزير في حكومة «الإخوان»، بالعودة إلى المحكمة، لأن القانون ينص على السماح للقاضي الذي يختار وزيراً بالعودة إلى منصة القضاء فور خروجه من منصبه، مع احتفاظه بحقوقه المالية ودرجته الوظيفية.
سليمان قال في حديث إلى «الأخبار» إن قاضي التحقيق الذي أجرى التحقيقات في القضية تربطه علاقة وثيقة برئيس نادي القضاة الذي حرك الدعوى، مشيراً إلى أن طلب رد قاضي التحقيق لم ينظر قانونياً بطريقة سليمة، وخاصة أن «العلاقة بين فهمي ورئيس نادي قضاة كان يجب أن تدفعه إلى التنحّي عن نظر الدعوى».

لم يكن القضاة الإخوانيون وحدهم من شارك في السياسة والمناصب

وأضاف أن القضاة وقّعوا على بيان «انحازوا فيه إلى الشعب وطالبوا بالتزام الدستور والقانون، ثم لم يعد الأمر انشغالاً بالسياسة»، لافتاً إلى أن الشكاوى التي قدمت ضد القضاة المحالين على الصلاحية أنجز التحقيق فيها سريعاً، وأصدرت بحقهم قرارت بالمنع من السفر، فيما «لم يتم إنجاز أي من الشكاوى المقدمة ضد رئيس نادي القضاة الذي بادر بالترحيب بأعضاء حركة تمرد التي جمعت التوكيلات لإسقاط محمد مرسي».
ويرى سليمان أنهم مقبلون على «مذبحة جديدة للقضاة» على غرار العزل القضائي الذي أعمله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في المعارضين له في الستينيات، مؤكداً أن المعلومات الموجودة في القضية معتمدة على «تحريات أجراها جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، واحتوى على معلومات كثيرة غير صحيحة، ولكن جرى التعامل معها باعتبارها حقائق غير قابلة للتكذيب».
على ناحية أخرى، قال رئيس محكمة الجنايات الأسبق، المستشار رفعت السيد، إن قرار إحالة القضاة على التأديب يأتي بعد انتهاء التحقيقات مع القضاة الذين قدمت شكوى بحقهم، مشيراً إلى أنه يجوز الطعن في القرار أمام مجلس التأديب الاستئنافي الذي يترأسه رئيس مجلس القضاء الأعلى بحكم منصبه، ويضم في عضويته النائب العام الذي يتولى مهمة الادعاء ويصدر قراراً يكون نهائياً وغير قابل للطعن فيه.
وأضاف السيد لـ«الأخبار» أن أقصى قرارات تصدر بحق القضاة تكون العزل من القضاء نهائياً، فيما يمكن أن تكون العقوبة أقل بتوجيه اللوم فقط، مشيراً إلى أن هذه الأساليب محددة في القانون ويجري الالتزام بها في حال وجود إجراءات تأديبية بحق القضاة.




هشام جنينه آخر القضاة المحسوبين على «الإخوان»؟

لم ينل نادي القضاة من كل أعدائه حتى الآن، فرغم معاقبة جميع القضاة الذين أبدوا تأييداً لـ«الإخوان المسلمين» خلال السنوات الماضية، فإن المستشار هشام جنينه الذي يحسبه قضاة النادي على الجماعة لا يزال في منصبه رئيساً للجهاز المركزي للمحاسبات.
المستشار أحمد الزند وأعضاء مجلس إدارة نادي القضاة لا يزالون، في المقابل، يحاولون الضغط على الرئيس عبدالفتاح السيسي من أجل عزل جنينه من منصبه، الذي يتبقى له فيه أقل من عامين بعدما عيّن في أيلول 2012.
ولإعطاء الغطاء القانوني لإقالة الرجل، يطالب القضاة بتعديل قانون تنظيم العمل في الجهاز حتى يصير للرئيس صلاحية إقالة رئيس الجهاز في حال خالف القانون.
في السياق، فإن الحرب الكلامية بين الزند وجنينه لم تنته، بل وصلت إلى حد تبادل الدعاوى القضائية أمام المحاكم، وقضت محكمة جنايات القاهرة بتغريم الأخير بـ30 ألف جنيه (حوالى 4 آلاف دولار) لمصلحة الزند بتهمة السب والقذف عبر حوار صحافي نشر قبل عامين تقريباً، فيما قدم الزند بلاغات جديدة ضد جنينه يجري التحقيق فيها.
عموماً، يبقى جنينه المستشار الوحيد المحسوب على «الإخوان» الذي يتولى منصباً تنفيذاً، فهل يستمر في منصبه حتى انتهاء مدته القانونية في أيلول 2016، أم ان الموقف سيتغير مع استمرار حملة إبعاد القضاة المنتمين إلى الجماعة؟