القاهرة | على إيقاع الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية وتعثرها المستمر، يواصل قادة البنوك المصرفية الحكومية استقالاتهم. أول من أمس، كانت الاستقالة الأبرز للنائب الثاني لمحافظ البنك المركزي، نضال عصر، الذي كان مسؤولاً عن إدارة الاحتياطيات الدولية، والعلاقات مع المؤسسات المالية والتمويلية الدولية. ووصل مجموع المستقيلين حتى أمس الى قرابة 130 من الصفوف الأولى في البنوك.


هذه الاستقالات الجماعية جاءت رداً على تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور على العاملين في الجهاز الإداري للدولة والبنوك العامة، ويقضي بألا يزيد أعلى راتب على 42 ألف جنيه شهرياً (5800 دولار أميركي)، وذلك وسط توقعات بتزايد موجة الاستقالات قريباً. وكان حديث عصر عن عروض من بنوك بريطانية قد زاد المخاوف على الجهاز المصرفي من هجرة قادته إلى الخارج، أو إلى البنوك الخاصة التي لم يطبق عليها القانون.
وقد تكون هذه القضية أول مواجهة اقتصادية تقابل الرئيس، عبد الفتاح السيسي، الذي لا يخفي قلقه من الملف الاقتصادي في ظل تراجع الاستثمارات الداخلية على خلفية التظاهرات المستمرة، لكنه أكد، خلال افتتاح مشروعات للقوات المسلحة الثلاثاء الماضي، أن إجراءات الحد الأقصى للأجور ستنفذ على جميع العاملين في قطاعات الدولة المختلفة. وقال بوضوح «من يدّعي أن مسؤولاً أو مكاناً ما لا ينطبق عليه الحد الأقصى، عليه أن يقدم أدلة واضحة على ذلك، حتى نتمكن من محاسبة كل مسؤول يخالف القانون وفقاً لإجراءات صارمة».
القانون مفجر الأزمة صدر في مطلع تموز الماضي، ويؤكد نصاً أنه لا يجوز أن يزيد أعلى راتب على خمسة وثلاثين مثلاً للحد الأدنى، وبما لا يجاوز اثنين وأربعين ألف جنيه شهرياً، وهو سيكون صافي الدخل الذي يتقاضاه أي شخص من أموال الدولة أو الهيئات والشركات التابعة، أكان العامل شاغلاً لوظيفة دائمة أم مؤقتة، أم حتى مستشاراً وخبيراً وطنياً.

أغلب المستقيلين يتوجهون إلى القطاع الخاص أو خارج مصر

لكن هذا القانون استثنى الحد الأقصى للعاملين في هيئات التمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري، وغيرهم ممن يمثلون الجمهورية خلال عملهم في الخارج.
وتتصدر قوائم المستقيلين الصفوف الأولى في البنوك وهي مسؤولة عن مشروعات مهمة، فيما قدرت مصادر استقالة 140 ـ 160 شخصاً؛ أبرزهم من قادة البنوك الرئيسية: المركزي المصري، الأهلي المصري، مصر والقاهرة. أيضاً أتت الاستقالات على مسؤولي الصفوف الثانية والوسطى، لذلك انشغلت وسائل الإعلام المحلية في ذكر أسمائهم وأماكن انتقالهم من البنك السابق إلى أي مكان جديد. لكن توقعات المراقبين الاقتصاديين بزيادة الاستقالات تحدها حالة تشبع البنوك الخاصة بالعدد الجديد من الوافدين، فضلاً عن احتمالية خفض رواتبهم.
أما نائب رئيس بنك قناة السويس، فهمي حنا، فحاول تخفيف أثر استقالة نائب محافظ البنك المركزي، فهو مع اعترافه بأنه كفاءة في إدارة احتياطات النقد الأجنبي، فإن توليه منصباً كبيراً في أحد البنوك العاملة في السوق، مثل المصري الخليجي، سيساهم في زيادة المنافسة في السوق المصرفية وإثرائها. وبعدما وصف حنا خروج عصر بأنه «أمر صحي»، نفى أن يكون الرجل قد رفض إعطاء المشورة للبنك المركزي في ملفه السابق.
كذلك طرأت أزمة مشابهة في أروقة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مع «هرب» عدد كبير من مهندسي الوزارة ومديريها خارجها، وخاصة ممن تجاوزت دخولهم الشهرية ملايين الجنيهات، والحديث هنا عن الفنيّين الذين ذهبوا للعمل في شركات القطاع الخاص داخل مصر وخارجها. ومن أبرز القطاعات التابعة لوزارة الاتصالات وتأثرت بذلك جهاز تنظيم الاتصالات، وهيئة البريد، والشركة المصرية للاتصالات، وليس أخيراً هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات.
في المشهد الإجمالي، يرى المراقبون أن الأزمة ستؤثر سلباً على الاقتصاد في حال خلو بنوك الدولة من العقول التي تدير أهم ملفات دفع الاقتصاد والاستثمار، لكن ماجد فهمي، وهو المدير الإقليمي لفروع البنك العقاري المصري العربي سابقاً، يرى أن قرار الأجور «قرار سيادي» ويلبي مطالب الشارع السابقة. لكن فهمي لم ينف الآثار السلبية لهذا الخروج، ما قد يضطر المشرعين إلى إعادة النظر في القانون عقب نتائجه السلبية التي ظهرت سريعاً.
في المقابل، يقدر مدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية، عبد الخالق فاروق، إن تضخيم موجة الاستقالات «أزمة مصطنعة»، معللاً لـ«الأخبار»، بأن «جميع من استقالوا هم رجال جمال مبارك الذين أتى بهم ليتولوا عملية غسل الأموال لمصلحته، لذلك على البنوك الاستعانة بالصفوف التالية». كما طالب فاروق بالتحقيق مع المستقيلين وسؤالهم عن الأموال التي هربت أثناء توليهم مناصبهم، «وخاصة التي يمتلكها حسين سالم وجمال مبارك»، مستدركاً: «الاستقالات وإن زادت لن تؤثر في الدولة».