حسم قطبا المشهد السياسي التونسي الجديد، المنبثق من الانتخابات التشريعية الأخيرة، قضية انتخاب رئيس البرلمان، ونائبيه، لمصلحتهما، فاختارا محمد الناصر (نائب رئيس نداء تونس) رئيساً، وعبد الفتاح مورو (نائب رئيس حركة النهضة) نائباً أول للرئيس.


وبدا أن نتائج جلسة أمس تعكس اتفاقاً، مبطناً، وقع في الساعات الأخيرة بين أكبر طرفين في البرلمان، يملكان وحدهما 155 مقعداً من أصل 217 في البرلمان الجديد (86 للنداء، و69 للنهضة).
وفي جلسة تعتبر الأولى لـ«مجلس نواب الشعب» الجديد، صوّت 176 نائباً (من أصل 214 شاركوا) لمرشح «النداء» محمد الناصر (80 عاماً)، رئيساً للبرلمان الجديد، الذي من المفترض أنه سيباشر العمل التشريعي والرقابة على الحكومة خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان الناصر المرشح الوحيد لمنصب رئاسة البرلمان.
وانتخب أعضاء البرلمان المحامي عبد الفتاح مورو (66 عاماً) نائباً أول للرئيس، وهو من القادة التاريخيين في «حركة النهضة»، التي حكمت تونس من نهاية 2011 حتى مطلع 2014، وتقول إنها لا تدعم أي طرف في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي يتنافس فيها زعيم «النداء»، الباجي قائد السبسي، ورئيس الجمهورية المؤقت، المنصف المرزوقي.
كذلك انتخب المجلس فوزية بن فضّة (51 عاماً)، وهي النائبة عن حزب «الاتحاد الوطني الحر» (يتزعمه سليم الرياحي)، الذي حل ثالثاً في الانتخابات التشريعية (16 مقعداً)، نائبة ثانية لرئيس البرلمان. وحصل مورو على أصوات 157 نائباً، وبن فضة على 150.
وأقصت نتائج جلسة أمس «الجبهة الشعبية» (15 مقعداً) من المشهد. وكانت قد ترشحت الى منصب النائب الأول لرئيس البرلمان مباركة عواينية (الجبهة).

مورو لـ«الأخبار»: النداء
مطالب بتشكيل الحكومة وتقديم تصوره
وحصلت عواينية على 33 صوتاً، وهي أرملة محمد البراهمي، النائب السابق في المجلس التأسيسي عن «الجبهة الشعبية»، والذي اغتيل يوم 25 تموز 2013، الأمر الذي أدى إلى احتقان الأزمة السياسية في البلاد.
وفي قراء أولية، أكدت جلسة أمس أن «نداء تونس» لن يكون قادراً على حكم البلاد بمفرده، بل لا بد من أن يلجأ إلى تفاهمات مع «النهضة»، من شأنها، على المدى البعيد، تهديد المسار الديموقراطي الذي تتبعه تونس راهناً. وعموماً، كان «النداء» يتعرض لاتهامات واضحة خلال أزمة عام 2013، من قبل أقطاب في ما كان يسمى «جبهة الإنقاذ»، بأنه يسعى إلى التوصل إلى اتفاقات مع «النهضة»، تفضي إلى تقاسم للسلطة بينهما. وكان «النداء» قد أثبت ذاته، خلال العامين الماضيين، كقوة موازية لـ«النهضة» عبر الاستثمار في استراتيجية عمل سياسي ترتكز على إظهار انقسام عمودي ضمن المجتمع، يقسم بين «العلمانيين» و«الإسلاميين».
وفي حوار أجرته «الأخبار» (أمينة الزياني) مع عبد الفتاح مورو، أمس، قال إن «نداء تونس مطالب بتشكيل الحكومة وهو الذي سيقدم تصوره لهذه الحكومة. هل ستكون حكومة حزبية أو حكومة وحدة وطنية أو حكومة كفاءات، وهو أمر لم يفصح عنه النداء إلى الآن». وتابع «إذا ما ارتأى النداء أنه قادر على الحكم وحده وتحمل مسؤوليته دون تشريك أطراف أخرى وبذلك يحدد المواقع، فهو في الحكم وبقية الأطراف في المعارضة». (الحوار منشور كاملاً على موقع الأخبار)
وبناء على حديث مورو، وفي ظل ما بدا واضحاً من توافق ضمني بين الطرفين، فإن السؤال سيطرح عن هوية المعارضة في البرلمان على اعتبار أن الدستور التونسي يحدد في الفصل 60 منه، التالي: «المعارضة مكون أساسي في مجلس نواب الشعب... تسند إليها وجوباً رئاسة اللجنة المكلفة بالمالية وخطة مقرر باللجنة المكلفة بالعلاقات الخارجية». فهل يضاف إلى أي اتفاق مفترض، حصول «النهضة» في المرحلة المقبلة على تلك المراكز أيضاً، بصفتها «المعارضة»؟ جدير بالذكر أنه جرى أمس انتخاب النائب سليم بسباس (النهضة) رئيساًَ للجنة المالية، بشكل مؤقت، على أن يتم انتخاب رئيس دائم خلال الفترة المقبلة، بعد إقرار الميزانية.
عموماً، فإن لما جرى، أمس، رمزية خاصة، أيضاً، لجهة هوية الشخصيتين المنتخبتين. ويعتبر مراقبون أن محمد الناصر «حريص على التوازنات السياسية ومنفتح على الخصوم»، ويرون فيه «أنسب مرشح لمنصب رئاسة البرلمان لناحية أنه متمكن من القانون وله علاقات جيدة مع الاتحاد العام التونسي للشغل (الذي كان يدير حل الأزمات السابقة)، وفي الوقت نفسه لا يُعرف عنه تصادم مع النهضة».
ويحمل الناصر، المولود سنة 1934 في مدينة الجَمّ من ولاية المهدية على الساحل الشرقي التونسي، درجة الدكتوراه في القانون الاجتماعي التي حصل عليها سنة 1976 من جامعة باريس. وقد عينه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة «مندوباً عاماً» (مديراً) لديوان العمالة التونسيين في الخارج (1974/1973)، ثم وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية في مناسبتين (1974/ 1977) و(1979/ 1985). وفي عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (2011/1987) تم تعيينه رئيساً للبعثة الدائمة لتونس لدى الأمم المتحدة والهيئات الدولية المختصة في جنيف (1996/1991). وبعد إطاحة بن علي، عيّن وزيراً للشؤون الاجتماعية في حكومة الباجي قائد السبسي.
من جهته، يعتبر مورو من القيادات التاريخية لـ«النهضة»، ومعروف عنه أنه من الشخصيات التي تفرض توازنات داخل الحركة، وكان من المؤثرين في قراراتها خلال المرحلة الماضية. ويقال، مثلاً، إنه كان من بين الشخصيات التي رفضت أن يتحول تعريف «النهضة» من حزب «حركة النهضة» إلى «حزب النهضة»، ولذلك دلالات تجد جذورها في المفاهيم الإسلامية للعمل الإسلامي. وفي حوار أجرته معه قناة «الجزيرة» في شهر آذار الماضي، قال إن «مفهوم الحزب يعد جديداً على العالم العربي والإسلامي، حيث كان أداة جديدة لتحقيق الاستقلال من المستعمر، وقامت أحزاب للتحرير»، مشيراً إلى «الحاجة لتطوير الحركات الإسلامية من إصلاحية اجتماعية إلى جماعات سياسية منتقاة تقصد الوصول إلى الحكم».
(الأخبار)