حلب | «حمم» بإصداره الأول. صاروخ جديد، أو قذيفة مدفعية، تزن نحو 800 كيلو غرام، هو آخر ما تفتقت عنه الذهنية القتالية للمجموعات المسلحة في حلب التي تنفرد بين جميع الجماعات، بتصنيعها وسائط قتالية وتطويرها باستمرار، مستفيدة من البيئة الصناعية العريقة في عاصمة البلاد الاقتصادية.


«حمم 1» الذي جرّب بقصف بلدة الزهراء في الريف الشمالي التي تتعرّض منذ عشرة أيام لهجمات مستمرة، لم يوقع ضحايا نتيجة سقوطه في منطقة خالية من الأبنية جنوب البلدة، فيما تتحدث أوساط اعلامية مقربّة من المهاجمين عن وجود صواريخ أخرى ستستخدم في الهجوم.
سلسلة المدافع الضخمة التي تعتمد على الأسطوانات المفخخة، بدأت بمدفع «جهنم» الذي جرى تصنيعه على يد «أحرار الشمال» في ورشة يملكها «أبو عدنان الادلبي»، في بلدة بنش قبل نحو عامين ونصف عام، ليستخدم خصيصاً في قصف بلدة الفوعة. وسرعان ما انتقل تصنيعه إلى حلب ليتلقف الفكرة «خالد الحياني» متزعم «لواء شهداء بدر»، إذ يقدّر عدد المدافع الموجودة لدى هذا التنظيم بنحو عشرين، مع أكثر من 250 أسطوانة غاز مفخخة.
ولحق «مدفع جحيم» بـ«جهنم»، حيث استبدلت أسطوانة الغاز المفخخة التي لا يتجاوز وزنها 40 كيلو غراما (ثلاثة أرباع الوزن متفجرات)، أولاً بأسطوانة اوكسجين صناعية، ثم بخزان تسخين مياه، يصل وزنه مفخخاً إلى نحو 300 كيلوغرام.
الاستخدام الأول لهذا المدفع كان في حيّ الاشرفية حيث أدى إلى أضرار بالغة واستشهاد وجرح العشرات من المدنيين، وحالياً بدأ مسلحو «الجبهة الإسلامية» باستهداف قلعة حلب بهذه القذائف.
المسلحون الذين تكبدوا خسائر نتيجة عملية «قَطر» المدفع بواسطة سيارات «بيك أب»، أو جرارات زراعية، ما لبثوا أن دفعوا بنسخة جديدة من المدفع حملت اسم «سيدنا عمر بن الخطاب» حيث جرى تركيب المدفع على صحن جرافة ما يسهل عملية التصويب والحركة، ويستخدم هذا الأخير في إطلاق القذائف من أسطوانات الغاز و«الآظانات» (سخّانات الماء).
وتولى آخرون تجهيز «مدفع جهنم الرباعي» الذي يطلق أربع أسطوانات غاز دفعة واحدة، لكن لم تصنّع نسخ أخرى، بعد قصفه بسهولة من طوافة عسكرية في معركة تحرير أرض الحمرا.
وقد انتشرت ورش تصنيع السلاح في حلب وريفها، ولاقت سوقاً واسعة لتصريف منتجاتها، حيث يعتقد أن تنظيم «داعش» استغل وجوده في حلب وريفها القريب في استمالة عدد من أصحاب الورش التابعين لمجموعات «الجيش الحر» لتصنيع مئات من قذائف «مدفع جهنم» لقاء مبالغ مضاعفة. وقد انتقل بعضهم إلى الباب ومنبج بعد طرد التنظيم من حلب، وأشهرهم عبدو الحريتاني الملقب بـ«كارو الأرمني».
ويقترن اسم «مدفع جهنم» في حلب بأحد أشهر المسلحين في عندان «جميل قدور» الذي كانت تربطه علاقة متينة بـ«خالد حياني»، والذي تحول من مهنة ميكانيكي سيارات إلى تفخيخ السيارات واصلاح الأسلحة، ومن ثمّ إلى صناعة القذائف والمدافع، وانتهت حياته قتلاً على يد مسلحي «داعش»، وعثر على جثته في مقبرة جماعية في معهد الكهرباء القريب من حريتان.
ويقول مصدر معارض إنّ سبب تصفيته هو رفضه العمل مع «داعش» خارج عندان، وطلب مبالغ باهظة لقاء اصلاح قطع السلاح وتجهيز «مدافع جهنم»، وتفضيله التصنيع لخصمهم اللدود خالد حياني.
وبرغم أن «مدفع جهنم» صنع للمرة الأولى في ريف إدلب، إلا أنّ استخدامه يكاد ينحصر الآن في حلب لاعتبارات عدة أهمها الجغرافيا، فهي المكان الوحيد تقريباً الذي تقترب فيه مواقع المسلحين من المناطق التي يسيطر عليها الجيش، والمدى المتوسط للمدافع لا يتجاوز الكيلومتر في أغلب الأحيان، ما يمنع استخدامه في أية منطقة مكشوفة لسهولة رصده وتدميره. وتمثل البيوت والكتل العمرانية بيئة مفضلة لإخفائه واستخدامه. وهذا ما لا يتوافر حالياً إلا في مدينة حلب وضواحيها حيث القتال بين وحدات الجيش والمسلحين يدور من مسافات قريبة جداً، كما أن انتشار المسلحين في قلب مدينة حلب يجعل بقية أحيائها في مرمى هذه المدافع.