عرنة | ما إن تحجب الغيوم الرمادية الصغيرة دائرة الشمس قليلاً، حتى يتسلّل هواء جبل الشيخ المثلج عبر شبّاك السيارة إلى العظام، وطيور المطوق يثقلها الصقيع أيضاً، فتراها مرمية فوق السواتر الترابية التي تُحَصِّن حواجز الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني، على طول الطريق من يعفور إلى بلدة عرنة في أعالي جبل الشيخ.


الطريق إلى البلدة عبر مدينة قطنا في ريف دمشق مروراً ببلدات عيسم، وقلعة جندل، وبعقسم، والريمة آمن إلى حدٍّ بعيد بين ساعات الضوء الأولى والرابعة عصراً، بفعل نقاط الجيش ومواقع الألوية 86 و56 و36، وحواجز «الدفاع الوطني» الكثيفة. وحين يحطّ الليل، عبور الطريق مرهونٌ بالحظّ، وبكمائن مسلحي «حركة أحرار الشام» و«لواء جبل الشيخ» و«جبهة النصرة»، المتسللين من قرى بيتيما وكفرحور وبيت سابر لاصطياد العابرين.
الحزن الذي يظلّل عرنة على أكثر من 17 شاباً من شبابها و20 آخرين من القرى المجاورة، سقطوا في معارك مع «النصرة» ومسلحين آخرين قبل ثلاثة أسابيع على تخوم كَفَرْحَور القريبة، لا يسلب ألق الرحلة. فالخريف هنا رمى بعضاً من ألوانه على فم الشتاء، ليتدرّج الأصفر والبرتقالي والأحمر فوق كروم الكرز والدرّاق والجوز. وَعارف قرى جبل الشيخ اللبنانية عين قنيا وشويّا وحاصبيا وشبعا وعين عطا، لن يجد فرقاً في عرنة وبيوتها، وحمرة شمس الجبال العالية على وجوه أهلها.
على «سطيحة» البيت المتواضع في «حارة الصفحة»، يروح الشيخ أبو ماهر ويجيء مرات كثيرة. العجوز لم يدفن رفات ابنه بعد، وهذا يضاهي قسوة الفقدان عنده. يوزّع الستيني عينيه، مرة في غرفة الجلوس على صورة ابنه الشهيد ماهر كبّول الذي سقط في الفاجعة الأخيرة، وأخرى على حفيدته سلاف، صغيرة ماهر تلميذة الصف الإعدادي الأول، وهي تستر وجهها بقطع الثياب المتدلية من حبل الغسيل. تخجل سلاف وهي تقول إنها تشتاق «لبابا» الذي «راح على الغيم فوق فوق». وحين يحتار دانيال الصغير، ابن عمّ سلاف، بين أن يكون طبيباً أو جندياً في المستقبل، لا يجد الدمع صبراً فينهمر على خدي أبو ماهر المجعّدين.

كبّول: أهالي القرى المجاورة يرزحون تحت نير التكفيريين أيضاً


«الدم غالي» يقول أبو ماهر. يعيد المزارع العزيمة إلى قلبه: «نحن كلنا فدا هالوطن وجيش هالوطن والمقاومة». اللازمة نفسها يكرّرها والد الشهيد سامر صالح زغيب في «الحارة الوسطانية». وصالح ابن الـ 4 عاماً أب لطفل واحد. قبل النكبة السورية كان الكون بالنسبة إليه تفاحٌ وكروم وطريق سهلة نحو سوق الهال في دمشق، كأغلبية أبناء قرى جبل الشيخ. يقول الأب المفجوع وهو يرتّب «الحَطَّة» البيضاء حول عنقه ورأسه، إن ولده الأصغر يحمل السلاح، وإن اضطر الأمر، فسيحمل بندقية هو الآخر ليقاتل «اللي بيكفروا الدروز والمسلمين والمسيحيي» إلى جانب الجيش السوري.
الحسرة والحرقة والسواد الذي يغطي نساء حارة الوادي، ينبئ بما تخبّئه الزيارة لبيت الشيخ أبو أسد مرّة. الكهل فقد أولاده أسد وفهد وعقاب دفعةً واحدة. لماذا سمّيتهم بهذه الأسماء يا شيخ؟ يحبس أبو أسد الدمع في عينيه: «يا ريتني ما سميتهم على أسماء الجبل، يمكن كانوا بقيوا». وبقدر ما يبدو أبو أسد جلوداً، تبدو زوجته الشيخة أم أسد ثكلى صابرة، تمرّ أيامها وهي تيمم وجهها صوب صورة معلقة في صدر البيت لـ«كبادي وسندي اللي راحوا»، وترقب صغارهم يسرحون في «الحاكورة».

ليست المعركة الأخيرة!

لا يمرّ سقوط هذا العدد من الشباب في عرنة وسائر القرى ذات الغالبية الدرزية في جبل الشيخ مرور الكرام، خصوصاً أن المسلحين لم يسلموا جثث الشهداء بعد. زيارة بيت كبير مشايخ جبل الشيخ أبو نبيه كبّول ثمّ الجولة مع شباب اللجان الشعبية على نقاط الحراسة والمراقبة، يفتحان الحديث عن تطورات السنوات الأخيرة.
لم يكن جبل الشيخ يوماً مكاناً للاقتتال بين أهله. وعلى ما يقول كبّول، فإن «أهالي القرى المجاورة يرزحون تحت نير التكفيريين أيضاً، ونحن وهم لا نزال أهلاً». ويشير الشيخ إلى أن «أكابر القرى في بيت جن وكفرحور وبيت سابر وبيتيما لم يعد بإمكانهم فعل شيء بعد سيطرة العصابات وأمراء النصرة وغيرها». يناجي أبو نبيه خيراً لسوريا وجبل الشيخ لـ«تخلص المحنة».
تفاصيل المعركة الأخيرة لم تعد خافية، كان الهدف من هجوم اللجان الشعبية وقوات الدفاع الوطني على كفرحور ضرب تجمعات المسلحين فيها وقطع طريق إمداد مسلحي جبل الشيخ عن مخيم خان الشيح في ريف دمشق، ومحاولة تحرير بلدة مغر المير ذات الغالبية الدرزية التي احتلها المسلحون قبل خمسة أشهر تقريباً وخطفوا عدداً من أهلها وشرّدوا الباقين. وقع المقاتلون في كمين محكم للمسلحين بعد تقدمهم في أماكن مكشوفة، فسقط أكثر من 40 شهيداً.
احتلال مغر المير لم يكن اعتداء المسلحين الأول. فعلى مدى السنوات الماضية، خطف المسلحون عشرات المزارعين واعتدوا عليهم وحرموهم من العمل في الكروم، كما في حضر، البلدة الكبيرة المحاذية للجولان المحتل في مقابل بلدة مجدل شمس المحتلة. وقبل أقل من عام، جرى الحديث عن «صلحة» بين المسلحين في بيت جن ودربل وأهالي القرى. وقبل ليلة واحدة من تنفيذ الشروط، شنّ المسلّحون هجوماً على موقع الجيش السوري في تلة حربون، وهو موقع استراتيجي يحمي البلدة ومرتفعات جبل الشيخ في مقابل «موقع المرصد» الذي يحتله جيش العدو الإسرائيلي.
«المسلحون ليس لهم أمان»، يقول مهنّد، أحد شباب اللجان الشعبية. في الأشهر الأخيرة، لم يعد مهند ينزع «الروسية» عن كتفه، ولا يلبس ثياب المشايخ التقليدية. هو وأيمن وكمال وباقي الشباب ينامون أحياناً بالثياب العسكرية المرقّطة خوفاً من هجوم مباغت على بلدتهم.
خسائر المعركة الماضية تجعل المقاتلين أكثر إصراراً على متابعة القتال لأنها «لن تكون المعركة الأخيرة»، يقول أيمن. يبدي الشباب حماسةً في الحديث عن التدريبات التي يتلقونها وجاهزيتهم للقتال. هنا في مواقعهم القريبة من طريق عرنة ــ دربل ــ حينة ــ عين الشعرا، ينتشر المقاتلون قبل حلول المساء في انتظار القادم. «هونيك بيتيما وبيت سابر»، يشير مهند بيساره إلى بيوت مرشوشة على سفوح الجبل. «هني قاطعين الطريق علينا على أوتوستراد السلام (طريق دمشق ــ القنيطرة الدولي)، وممكن يتسللوا من هالمسارب». في الخلف، تقع مواقع اللواء 90 في الجيش، وهي مواقع تشرف على مساحة كبيرة من الأراضي السورية وصولاً حتى دمشق، والفلسطينية ووادي جنعم من مزارع شبعا إلى عيحا وكفرقوق اللبنانية.
اللجان الشعبية هنا جزء من القوة العسكرية التي تساند الجيش، إذ يتوزّع المقاتلون بين الدفاع الوطني وكتائب البعث ومناصري «حزب التوحيد العربي»، فضلاً عن وجود مقاتلين يتبعون الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى جانب مجموعات تدور في فلك حزب الله.
في طريق العودة من الجبل، يقطع الشيخ أمين كبول بـ«موتوره» وصندوقه المليء بالسفرجل والتفاح الطريق على المقاتلين. يملأ جعبهم العسكرية بالثمر اللذيذ، ويسألهم لماذا لم يلتحقوا بعد بمواقعهم: «لمين تاركين الليل!؟».



لا مصالحة بوجود «النصرة»

لا يبدو الحديث عن «صلحة» بين الأهالي والمسلحين في جبل الشيخ واقعياً الآن، في ظلّ امتناع المسلحين عن تسليم جثث الشهداء لذويهم. ليس هذا فحسب، مساعي التهدئة التي يبذلها عدد من الفعاليات بالتنسيق مع وزارة المصالحة السورية لا تجد الأصداء المناسبة في ظلّ هيمنة «جبهة النصرة» في جبل الشيخ، وأميرها المعروف بـ«الشمري»، على قرار المسلحين المحليين. في الأسبوع الماضي، جرى الحديث عن تفاهم يُعمل عليه مع فاعليات من بلدة حينة وأحد فاعليات كفرحور لوقف إطلاق النار وفتح الطرقات وتسليم الجثامين والمخطوفين، لكن ردّ المسلحين في بيتيما وكفرحور جاء سريعاً بالاعتداء على عدد من الأهالي أثناء قطافهم الزيتون في بلدة بقعسم في منطقة وادي بحيران، وقتلوا شاباً يدعى فادي محمود صقر، وجرحوا آخر جروحه بالغة. وشبّه الأهالي الحادثة الأخيرة بما جرى بعد مصالحة دربل، والهجوم الذي تلاها على موقع حربون ومواقع اللجان الشعبية في عرنة.