اللاذقية | إطلاق نار على أحد مراكز الغاز في ريف اللاذقية هو المشهد الأخير الذي احتفظت به عينا دانيال سلمان، وهو في طريقه باتجاه المرفأ للالتحاق بالباخرة الواصلة إلى الميناء، للإبحار بالمسافرين السوريين إلى المجهول. تزاحم اللاذقيون على أحد مراكز بيع الغاز، وتهديد أحدهم بإلقاء قنبلة يدوية إن لم يحصل على عبوة غاز، أثار حفيظة الشاب المسافر.


ابن اللاذقية الإطفائي المثابر مضى في رحلته البحرية الطويلة، التي تنتهي في بلجيكا، حيث يقيم أحد أقاربه. مثله مثل الكثير من الشبان السوريين الذين سُدّت دروب الوطن في وجوههم، فاختاروا الغربة بعد معاناة طويلة مع الحرب التي لا تلوح لها نهاية. السويد الوجهة الأخيرة لأغلب المسافرين، لما تقدمه من تسهيلات للسوريين. تستحق بالنسبة إلى الشباب السوري الوقوف ساعات طويلة في مرفأ اللاذقية. دموع الأمهات لا تجفّ، وهنّ يقفن خارج باب الميناء يتأملن أبناءهن من بعيد، إذ من غير المسموح به دخول المودّعين إلى المرفأ، فيما ينتظر المسافرون أن تأذن السلطات للسفينة بالمضيّ خارج دائرة العنف السورية. حكاية دانيال سلمان تختصر ألم بقية المسافرين إذ جرى اغتيال والده، الضابط في الجيش السوري، على مشارف العاصمة السورية. حاجة الشاب لمواصلة أحلامه الموسيقية باعتباره مغنّياً هاوياً، أهم العوامل التي جعلته يبحث عن حلّ في الخارج. يروي الشاب فصول المعاناة التي تواجه أبناء جيله: «شاركت مع فوج الإطفاء في اللاذقية في معظم المشاكل التي شهدتها المدينة. ليس لوالدتي ابن آخر. وبما أني وحيدها ومصدر قلقها، قررتُ السفر وترتيب أوضاعي، ريثما آتي بها إليّ لنحيا بهدوء وسكينة». لا يعلّق الشاب آمالاً عريضة على وهم الحياة الكاملة في أوروبا، إنما يصف الوضع بقوله: «تعبنا من المعاناة في سبيل الحصول على أبسط ما نستحقه يومياً. انقطاع الماء والكهرباء والفساد والمحسوبيات والواسطات. تعبنا من العنف الذي أصبح يمكن لمسه في البيت الواحد والحي المشترك. لم يعد من وسائل تفاهم بين السوريين في الوقت الحالي». لملم الشاب أحلامه وذكرياته ودموع أمه وشقيقته، والتحق بركب 500 شاب وجدوا على الباخرة الراسية في الميناء، خلاصهم المنشود. رحلة أسبوعية تحمل كل مرة العدد ذاته من الشبّان من معظم المحافظات السورية، بينما تنطلق رحلتان بحريتان أسبوعيتان من ميناء طرطوس المجاور.
الرحلة، بحسب أنور، وهو مسافرٌ من حلب، محفوفة بالمخاطر. ولا يستبعد الرجل خيبة الأمل بالعناء المنتظَربين بلد وآخر حتى الوصول إلى أحد البلدان، حيث يطلب معظم المسافرين اللجوء الإنساني، للحصول على فرصة حياة جديدة. يذكر أنور كيف باع منزله وسيارته المتواضعة ليجمع المال المطلوب ليفي بتكاليف السفر. معظم البلدان ترفض استقبال السوريين دون الفيزا، ما يتطلب من القيمين على الرحلات اختيار بلد يقدّم تسهيلات للاجئين السوريين. مدينة مرسين هي وجهة الرحلة من ميناء اللاذقية، ومن ثم يتابع أنور عبوره إلى العالم الآخر عبر مدينة إزمير المقابلة لليونان. دخول اليونان، بالنسبة إلى معظم المسافرين، يعني الوصول إلى الأرض السعيدة، فيما تبدأ رحلة الشقاء الأوروبية من اليونان حتى يصل كل مسافر إلى البلد المطلوب، إن نجا من طريق الموت السوري: «التهريب». يقول غيث، الناشط الحقوقي: «جاءتنا الكثير من الفرص سابقاً للانشقاق والسفر. حاربنا وحاولنا الصمود والاستمرار. إنما في البلاد هُنالك بين أصحاب القرار من هو جاهز لدفن تعبك الطويل في لحظة واحدة». لم ينشق الشاب الدمشقي عن الالتفاف حول مؤسسات دولته وجمعياتها الأهلية، وفضّل لاحقاً عندما أعيته السبل سلك طريق التهريب إلى الخارج. ويضيف: «نحنا منطلع نتعتّر ونتعذّب ونتبهدل، بس ما منخون». ويتابع: «حتى الشام اليوم مو شامنا. ولما يخلص الجنون الحاصل بيكون إنجازنا الوحيد أنو نحتفظ بحياتنا الباقية. يمكن تحتاجنا البلد لما تتعب من اللصوص اللي سرقوها بالسلم، وعم يسرقوها بالحرب». يؤمن غيث أنه سيحصل على «نتائج مُرضية في أوروبا فيما لو قام بنصف الجهد الشاق الذي كان يقوم به في سوريا، إذ إن المواهب والتفوق والأفكار تُقمع في البلاد، بحجج واهية أبرزها الحرب القائمة وكذبة الأولويات». ويذكر أن «من لا ينافق لا مكان له في المرحلة الحالية داخل البلاد».
وضع السوريين في اليونان ليس كأحلام الواصلين إليها. يرى معظم المسافرين أن البلد محطة العبور إلى أوروبا، ويواصلون مسيرة التشرد ومحاولات الخروج المكلفة. البعض يحاول الهرب باستخدام القوارب البحرية، بصرف النظر عما ينتج عن المحاولة من خطورة وغرق. والبعض الآخر يجد الحل الأسلم باجتياز الحدود نحو مقدونيا أو ألبانيا سيراً على الأقدام. مشقة 4 أيام في غابات مقدونيا تحوي ما تحويه من قسوة وإرهاق جسدي، لا تضاهيه سوى خيبة الوقوع بين يدي الشرطة المقدونية، والعودة إلى اليونان. ويعاود المسافر نفسه المحاولة في اليوم التالي، بسلك طرق دول أُخرى مجاورة. يؤيد ميشيل برخو، المسافر السوري في اليونان، روايات المسافرين في اليونان ورحلات خيباتهم اليومية للخروج من البلاد، باعتباره يقيم في البلد الأوروبي منذ ثلاثة أشهر، فيما يقيم سوريون آخرون في اليونان منذ ستة أشهر. التغريبة السورية في البلد الغريب، بحسب برخو، ما زالت بكامل سوادها، إذ يجمع السوريون بعضهم البعض ويستقرون مؤقتاً في شقة مستأجرة، قد يصل عدد أفرادها إلى 12 شخصاً، ريثما تنجح محاولات كل منهم في المضي إلى هدفه. ويضيف: «عدد كبير من السوريين يمضي عن طريق البر باجتياز إحدى الدول المجاورة، وهي: مقدونيا وصربيا وهنغاريا، ما يشابه طريق الموت عن طريق قوارب البحر». في السادسة صباحاً يتجه ميشيل في مغامرته الثانية، التي تعتمد غيابه أياماً في غابات ألبانيا، واعداً بشرح المزيد عن رحلته، فيما لو اجتاز الخطر للوصول إلى البلد المُراد.