القاهرة | تمخض الجبل فولد فأراً، عبارة قد تلخص ما حدث أمس في المحروسة. «الثورة الإسلامية» التي دعت إليها «الجبهة السلفية» تحت شعار «انتفاضة الشباب المسلم» مرّت باشتباكات بسيطة وقنابل صوتية، بدائية الصنع، لم توقع مصابين أو قتلى، حتى وقت متأخر من مساء أمس. بينما شهدت الشوارع توقفاً تاماً لحركة البيع والشراء ولزم المواطنون منازلهم بعد تحذيرات الداخلية بإطلاق الرصاص على المتظاهرين حاملي المصاحف.


وأغلقت القوات الأمنية شوارع وطرقاً رئيسية تؤدي إلى المؤسسات الحيوية. ولم يمنع الانتشار الأمني الكثيف أنصار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من الخروج في بعض المناطق عقب «صلاة الجمعة»، رافعين صوره ومعربين عن الوقوف إلى جانبه في «مواجهة الإرهاب».
على المقلب الآخر، خرجت التظاهرات من نفس الأماكن التي اعتاد أنصار جماعة الإخوان المسلمين والمناهضون لعزل الرئيس محمد مرسي الخروج منها، أسبوعياً، على مدار عام ونصف عام. فالمطرية وعين شمس والألف مسكن وحلوان والمناطق المحيطة بالقاهرة والجيزة، شهدت أمس ذات الحضور المعتاد والاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين. وبقيت الحال على ما هي عليه في بني سويف والفيوم، وغيرهما من المحافظات التي اعتادت الخروج في التظاهرات المعارضة. أما في البحيرة والغربية فبقي الشارع، عموماً، تحت سقف التظاهر.
وفي القاهرة، خلت الشوارع من المارة ومن حركة السيارات، تماماً. كذلك كان في عواصم المحافظات الأخرى، وسط انتشار أمني مكثف لقوات الجيش والشرطة. وأغلقت محالّ الذهب والصرافة في بعض الأماكن، وعممت الحكومة منشوراً على العاملين في الإدارات الحكومية بتشكيل فرق من خمسة موظفين للتواجد حول الإدارات المختلفة، على أن يكونوا على اتصال مفتوح مع مراكز الشرطة القريبة.

مصادر «إخوانية»:
المواقف المتضاربة للجماعة سببها تعدد الأجنحة

رسمياً، وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة الصحة، شهد يوم أمس سقوط ثلاثة مواطنين، بينهم قتيلان من المتظاهرين في المطرية، وعميد في الجيش في طريق جسر السويس. وتحدثت التقارير غير الرسمية، التي ينشرها الناشطون المؤيدون لجماعة الإخوان المسلمين، عن سقوط 11 قتيلاً، بينهم ثلاثة من قوات الجيش، وإصابة 450 آخرين واعتقال 50 متظاهراً. ولم تصدر وزارة الداخلية الإحصائية النهائية لأحداث الأمس.
ومع انتهاء الفعاليات من دون وقوع أحداث كبرى توازي الاستعدادات الأمنية المكثفة (وصلت إلى حد توزيع الجيش سترات واقية من الرصاص على الصحافيين) والاهتمام الإعلامي المبالغ فيه بشأن تظاهرات الأمس، ظهرت، جلياً، محاولة السلطة تضخيم الحدث للاستفادة منه في توفير غطاء للحملات الأمنية التي قامت بها قوات وزارة الداخلية، التي ضبطت خلالها أكثر من مئة شخص بتهمة التحريض على العنف.
واستمراراً لحالة التخبط «الإخوانية» بشأن التظاهرات، كانت مجموعة من شباب الجماعة قد أصدرت، في وقت متأخر من مساء أول من أمس، بياناً، أعلنت فيه رفض قرار الجماعة بالتراجع عن رفع شعارات «انتفاضة الشباب المسلم».
وفي حديث إلى «الأخبار»، فسرت مصادر «إخوانية» المواقف المتضاربة الصادرة عن أطراف تنتمي إلى الجماعة، بالقول إن «هناك أكثر من جناح داخل الجماعة حالياً، فبعض قيادات الجماعة الموجودين في الدوحة وأنقرة رغبوا في المشاركة في التظاهرات تحت شعارات انتفاضة الشباب المسلم، فيما ترفض القيادات المحسوبة على لندن، المشاركة، وهو ما يفسر صدور أكثر من ثلاثة بيانات للجماعة تتناقض في مضمونها، بينهم اثنان صدرا باللغة العربية، وآخر صدر بالإنكليزية». وتوقعت المصادر «استمرار الجدال داخل الجماعة وتصاعدها خلال الأيام المقبلة، نتيجة تباين واضح في الرؤى بين القيادات الموجودة في الخارج».
ولن يتراجع، اليوم، الحضور الأمني المكثف الطاغي على المشهد المصري راهناً، خصوصاً أنه سيتزامن مع جلسة النطق بالحكم على الرئيس الأسبق المخلوع، محمد حسني مبارك، ونجليه، علاء وجمال، بالإضافة إلى وزير داخليته، اللواء حبيب العادلي، وستة من كبار مساعديه، وذلك في قضايا «قتل الثوار خلال ثورة 25 يناير». وتفصل محكمة جنايات القاهرة في الدعوى للمرة الثانية، لتكون قبل الأخيرة، والأهم في مسار القضية، على اعتبار أن الدرجة الأخيرة من التقاضي أمام محكمة النقض تستغرق وقتاً طويلاً، قد يمتد لسنوات. ويحق للمحكمة التي تنظر في الدعوى، اليوم، أن تصدر أحكاماً تتدرج من البراءة، وصولاً إلى الإعدام، علماً بأن الدائرة السابقة أصدرت حكماً بالسجن المؤبد على مبارك وعلى وزير داخليته، وبرأت باقي قيادات وزارة الداخلية.
عموماً، معروف عن المستشار كامل الرشيدي، رئيس دائرة الجنايات التي تنظر في الدعوى، الصرامة في الأحكام القضائية، بالإضافة إلى إعطائه الفرصة كاملةً لدفاع المتهمين عن أنفسهم، بغية أن تكون حيثيات القرار مُحكَمة ولا يُقبل الطعن فيها أمام محكمة النقض. لكن إجراء الرشيدي مقابلة صحافية تمحورت حول القضية، مع جريدة «الوطن» المصرية، أمس، قد يشكل دافعاً قوياً لمحامي مبارك من أجل تقديم نقض بالحكم.