يتجاوز التعداد السكاني في إسرائيل بعده التقني والتقليدي الذي قد يتمتع به في الدول الأخرى، لأنه يجري التعامل مع أرقامه وتوزيعها على أساس الهويات كمعطيات تستخدمها أطراف سياسية للتسويق لخيار إقامة دولة فلسطينية ما.

في المقابل، يتعامل معارضو مبدأ الدولة الفلسطينية مع هذه الإحصاءات وفق مقاربة محددة، يبررون بها خيارهم السياسي الداعي إلى ديمومة الاحتلال. وينطلق مؤيدو الدولة الفلسطينية من أن التهديد الديموغرافي الفلسطيني سيترك آثاره وتداعياته عاجلا أو آجلا، وذلك على هوية الدولة اليهودية التي ستتحول قهراً إن استمر احتلال الضفة إلى دولة ثنائية القومية، أو حتى من الناحية الأمنية.

ويرى هؤلاء أن الخيار الوحيد لتفادي هذا التهديد يتمثل في تقسيم أراضي فلسطين التاريخية بين كيانين، الأول تحكمه إسرائيل، والثاني دولة فلسطينية، بغض النظر عن حقيقة وواقع الدولة التي يدعون إليها. ومع أن الإحصاءات تؤكد اتجاه تغير المعادلة السكانية لمصلحة الفلسطينيين، وهذا ما يدعم مؤيدي خيار تقسيم أراضي فلسطين بين كيانين، فإن الساحة الإسرائيلية لا تزال مقسومة بين مؤيدي هذا الخيار ومعارضيه.
جديد الإحصاءات ذات البعد السياسي الداخلي ظهر مع تأكيد أحد أكبر الخبراء الديموغرافيين الإسرائيليين، البروفسور سيرجيو ديلا فيرغولا (الجامعة العبرية في القدس) أن تقديراته تشير إلى أن عدد اليهود حالياً يقل عن نصف عدد السكان بين نهر الأردن والبحر المتوسط، أي في فلسطين التاريخية. لكنه يؤكد من جهة أخرى أنه من دون قطاع غزة، ومع استمرار السيطرة على الضفة ستحافظ إسرائيل على أغلبية يهودية مريحة، علماً بأن حديثه قد يعزز بعض الأطروحات المتطرفة التي تختلف مقاربتها للضفة عن غزة، وهي في كل الأحوال باتت خارج الاحتلال الإسرائيلي.
ورأى ديلا فيرغولا، في مقابلة مع إذاعة موقع القناة السابعة الإسرائيلية اليمينية، أن عدد السكان «في البلاد كلها، من البحر إلى النهر، ويشمل ذلك غزة ومرتفعات الجولان، والضفة وشرقي القدس واللاجئين من أفريقيا، يصل إلى 12 مليوناً ونصف مليون إنسان». ويضيف إن عدد اليهود من ضمن هؤلاء لا يكاد يصل إلى 50%. مضيفاً: «حتى لو أعلنت دولة إسرائيل دولة يهودية فقط، فإن معظم السكان ليسوا يهوداً»، وعلى ذلك فإن «هذا معطى محرج للغاية».
وفي ظل الحديث المتزايد عن تحصين هوية الدولة اليهودية بقانون أساسي، دعا فيرغولا إلى تحديد الهوية عبر رسم الحدود، ورأى أن «الحقائق على الأرض هي التي ستحدد هوية الدولة، وإذا لم نشمل غزة ونظرنا إلى دولة إسرائيل بحدودها الحالية، ومن ضمن ذلك سكان الضفة، توجد اليوم أغلبية يهودية بأقل من 80%، وهذا يشمل 5% من غير اليهود بموجب الشريعة اليهودية، وأيضاً هذا العدد آخذ بالانخفاض سنوياً بجزء من نسبة مئوية».
ومضى يقول: «من الجائز أن تصل هذه النسبة بعد عقد إلى 77%، وبعد عقدين إلى 75%، وهكذا فإنه خلال عشرات السنين المقبلة سيكون أكثر من 70% من سكان إسرائيل بحدودها الحالية يهوداً، والأغلبية اليهودية لن تكون محل شك». ورأى الخبير الديموغرافي أن مسألة الأغلبية اليهودية في القدس أكثر تعقيداً، موضحاً أنه «يوجد في القدس 500 ألف يهودي و300 ألف عربي... توجد أغلبية يهودية، لكنها آخذة بالانخفاض، ولكن حقيقة أن 300 ألف عربي يتركزون في أحياء معينة تعقد الأمور أكثر».
أما عن «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، فرأى فيرغولا أنه لا توجد حاجة إلى قانون مشابه، «لأن وثيقة استقلال إسرائيل تنص على دولة يهودية»، لكنه عاد ولفت إلى أن المشكلة في القانون الجديد «أنه لا يأتي لتعريف الجانب الإيجابي وإنما الجانب السلبي». وشرح ذلك بالقول: «هذا التعريف يعني إعطاء حقوق أقل للآخر، وهذا يثير استغراباً في العالم وكذلك في أوساط صديقة ويحدث ضرراً»، مستدلاً على تقديره بموقف رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، المعارض للمشروع، ولفت أخيرا إلى أنه «ليس مشتبهاً كناشط يساري، فإنه توجد أمور خفية».