القاهرة | بالتوازي مع الاستعدادات والتدابير الأمنية المكثفة التي أعلنتها القوات المسلحة والشرطة في مصر استعدادا لتظاهرات اليوم تحت شعار «انتفاضة الشباب المسلم»، تشهد جماعة الإخوان المسلمين نقاشا مفتوحا على مستوى عال، لبحث تأجيل التظاهرات إلى الأسبوع المقبل، تخوفا من صدام عنيف مع قوات الأمن في الشوارع. ويأتي ذلك برغم أن الجماعة لم تعلن موقفاً واضحاً، وليس لها علاقة أساساً بالدعوة إلى التظاهر.


وبحسب مصادر إخوانية معنية بـ «إدارة الحراك الإخواني» في الشارع، فإن ضغوطاً شديدة تمارس على قيادات الإخوان من قبل قطاع واسع من الشباب الرافض للنزول اليوم «لأسباب تبدو منطقية». فالشحن الإعلامي المبالغ فيه من وسائل الإعلام المصري، المقروءة والمسموعة، ضد التظاهرات (التي دعت لها «الجبهة السلفية» تحت اسم «انتفاضة الشباب المسلم») أمر يثير الريبة والارتباك. واعتاد الإعلام المصري على مدار عام ونصف عام، منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، التهوين والتقليل من قيمة وعدد أي حراك مناهض للسلطة، إلا أنه يبالغ راهناً بشدة وعلى مدار أكثر من أسبوعين في التحذير من «الانتفاضة». الأمر الذي لا تدري المصادر أسبابه.
وتبدو الاستعدادات الأمنية المكثفة من جانب قوات الأمن المبالغ فيها مثيرة للتساؤل والاستغراب. فاستدعاء فرق المظلات والصاعقة، وهي فرق النخبة في الجيش المصري، لتأمين المنشآت والمباني الحكومية، مبالغ فيه.
وعلى صعيد المشاهدات الميدانية، فهناك انتشار واسع لكمائن من الجيش والشرطة تقوم على تفتيش المواطنين وفحص بطاقات هوياتهم، وتفتيش حقائبهم، على الطرق الرئيسية الرابطة بين العاصمة والمحافظات. الأمر الذي لم يحدث، بمثل هذا التحفز والترقب، في أحلك الفترات التي صاحبت فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، فيما تجوب الطوافات سماء القاهرة، على فترات.
ويأتي كل ذلك، بالتوازي مع إغلاق الميادين الرئيسية والحيوية كالتحرير ورابعة والنهضة، وإغلاق نفق الازهر الحيوي داخل العاصمة، واستلام الجيش للمقار والمباني الحكومية، وإغلاق الخزائن داخل المصالح الحكومية، والاعلانات المتواترة من قبل قوات الأمن عن اكتشاف وإبطال مفعول قنابل مزروعة حول مباني حكومية في القاهرة والبحيرة و6 أكتوبر.
عموماً وبصرف النظر عن أبعاد التعامل الرسمي مع الحدث المفترض، فإن المبالغة في الاستعدادات الأمنية، والتهويل الإعلامي، يدعمان أصحاب وجهة النظر المطالبة بتأجيل التظاهرات إلى الأسبوع المقبل. ويخشى المطالبون بتأجيل التظاهرات من أن تكون الاستعدادات الأمنية مقدمة لتعامل أمني شديد مع التظاهرات، استغلالا، في آن واحد، لحالة الحشد وللشحن الإعلامي المقابل. ويمكن القول بثقة إن الشحن الإعلامي وصل إلى درجات فقدان الصواب، وأضاف تساؤلا مهما حول الداوفع الحقيقية لهذا الهجوم الذي وصل أيضاً إلى حد المطالبة بتأجيل «صلاة الجمعة»، أو مثلاً مطالبات البعض بإصدار فتوى تبيح لقوات الأمن «دهس المصاحف» التي أعلنها المتظاهرون شعارا لهم.
سبب آخر يبدو من المهم الإشارة إليه، إذ يأتي الحدث المفترض اليوم، قبل يوم واحد من جلسة النطق بالحكم على الرئيس الأسبق، حسني مبارك، في «قضية القرن» التي يحاكم فيها بتهمة قتل المتظاهرين إبان «ثورة 25 يناير». ويخشى المطالبون بالتأجيل من أن تكون الإجراءات الأمنية «تلغيما للأجواء قبل جلسة النطق بالحكم»، التي يترقبها قطاع واسع من الشباب للتدليل على حقيقة نوايا النظام حيال «ثورة 25 يناير». ويسعى المطالبون بالتأجيل إلى تفويت الفرصة على النظام.
وبرغم أن الداعي الرسمي إلى التظاهرات كان «الجبهة السلفية»، المنضوية تحت لواء «تحالف دعم الشرعية»، لكن ربما أن الحشد الحقيقي في الشارع سيكون لجماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنت في بيان رسمي «تثمين» الدعوة للحراك «حفاظا على هوية الأمة»، وردا على «طمس هوية الشعب والحرب على مقدساته وتدمير المساجد وحرق المصاحف». ولم تعلن الجماعة رسميا مشاركتها في التظاهرات، وهو أمر يخالف ما حرصت الجماعة على إصداره من بعد عزل مرسي.
وفي سياق الموقف غير الواضح لجماعة الإخوان المسلمين، فقد أصدرت بيانا باللغة الإنكليزية، أكدت فيه أن «موقف الجماعة ومطالبها هي ما عبرت عنه فقط في بياناتها الرسمية، وأن لافتات وشعارات وهتافات جماعة الإخوان المسلمين معنية فقط بالدعوة إلى إنهاء سلطة المجلس العسكري في مصر، وعودة الشرعية الدستورية، وإطلاق جميع المعتقلين السياسيين، والتنديد بالجرائم التي ارتكبت ضد معتقلي الرأي في السجون المصرية، ومحاكمة قادة الانقلاب ومعاونيهم على الجرائم التي ارتكبوها ضد الإنسانية»، دون أن تشير إلى أي من شعارات «انتفاضة الشباب المسلم».
عموماً، بين الطرفين، يرتقب كثير من المصريين انتهاء الفعاليات التي أعلن منظموها أنها ستسمر يومين. فيما تجري الاستعدادات الأمنية على قدم وساق في الشارع، وتشهد الجماعة ضغوطا لتأجيل قرار النزول وإضاعة الفرصة على التربص الأمني بهم.