تونس | تفاعلت خلال الأيام الماضية، على الساحة التونسية، قضية حق الرئيس المؤقت، المنصف المرزوقي، في تكليف الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان في الانتخابات التشريعية الأخيرة (نداء تونس) تشكيل الحكومة المقبلة. التطور الأبرز سجل أول من أمس بعد انعقاد «الحوار الوطني» وإعلان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (راعي الحوار)، حسين العباسي، أن الرئيس المقبل للبلاد هو من تقع على عاتقه تلك المهمة الدستورية، لا الرئيس الحالي.


وبرغم أن أطرافاً لا ترى في «الحوار الوطني» الجهة الصالحة لبتّ هذه المسألة، إلا أن استمرار طرحها سيلقي بالبلاد في أزمة سياسية جديدة، خصوصاً أن طرفيها الأساسيين ليسا إلا المرشحين للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية: المنصف المرزوقي بصفته الرئيس الحالي، والباجي قائد السبسي بصفته زعيم الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الأخيرة، «نداء تونس».
وتنص المادة 89 من الدستور التونسي الجديد، على أنه «في أجل أسبوع من إعلان النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتشكيل الحكومة خلال شهر يجدد مرة واحدة». ويتمحور الخلاف حول الفصل بين دور الرئيس الحالي ودور الرئيس المقبل للبلاد.
وكان المرزوقي قد أعلن يوم الجمعة الماضي أنه أرسل مكتوباً إلى حزب «نداء تونس» يطلب منه ترشيح رئيس للحكومة الجديدة، في خطوة تسبق تكليفه رسمياً من الرئاسة. وقال، في حوار مع قناة شبكة تونس الإخبارية، إنه «عملاً بالدستور وبعد صدور النتائج النهائية الرسمية للانتخابات التشريعية (الجمعة) أرسلت رسالة إلى حركة نداء تونس، لتقديم مرشح أكلفه تشكيل الحكومة».
وجاء حديث المرزوقي قبل يومين من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، التي أفضت نتائجها إلى عبوره برفقة قائد السبسي إلى دورة ثانية. وأعلن، أمس، رئيس «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات»، محمد شفيق صرصار، في مؤتمر صحافي، أن قائد السبسي حصل، وفقاً للنتائج الأولية، على نسبة 39,46 في المئة من إجمالي أصوات الناخبين، فيما حصل المرزوقي على نسبة 33,43 في المئة. وأضاف أنه سيُحدَّد تاريخ إجراء الدورة الثانية فور بتّ القضاء في «طعون» محتملة في نتائج الدورة الأولى، قد يتقدّم بها المترشحون.
عموماً، عادت الأطراف الراعية للحوار الوطني (الرباعي) للتصدي لأزمة سياسية جديدة في البلاد. وبرغم الإقرار في جلسة أول من أمس أن المهمة تقع على عاتق الرئيس المقبل، إلا أنها فتحت باب الوساطة بين الطرفين. وقد أوضح العباسي أنّ «الرباعي سيخوض محادثات مع الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي... بهدف تجاوز هذا الإشكال والمحافظة على مناخ آمن في البلاد».
وفي حديث إلى «الأخبار»، أوضح الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، بلقاسم العياري، أن اللقاء الذي جرى مع المرزوقي احتوى على بوادر إيجابية تفيد بإيجاد حل للخلاف، موضحاً أن لقاءً آخر كان من المفترض أن يجري مع الباجي قائد السبسي لتعرض عليه نتائج اللقاء مع الرئيس الحالي. وأضاف العياري أن «الأزمة سياسية وليست دستورية، ولذلك بدل التوجه للهياكل القضائية، كان الحوار الوطني هو مقصد الأحزاب لفض النزاع بما لا يتنافى وجوهر فصول الدستور. الرباعي في كل تدخلاته ومساعيه حاول احترام الدستور، إلا أنه عند المرور بمرحلة سياسية صعبة يجب تجاوزها بالتوافق بين الفاعلين السياسيين».
وبرغم مقررات الحوار الوطني الأخيرة وجولات الوساطة، إلا أن المرزوقي كرر موقفه يوم أمس، في حوار أجرته معه قناة «فرانس 24». وقال إن «مصلحة البلاد تقتضي التزام الدستور والإسراع بتشكيل حكومة جديدة»، مضيفاً أن منافسه لا «علاقة له بالديموقراطية»، داعياً إياه لقبول مناظرة تلفزيونية معه.
ربما يعلم المنصف المرزوقي، ساعة توجيهه «رسالة التكليف»، أنها ستُدخل البلاد في بلبلة كما ستضع خصمه في مأزق سياسي ودستوري. فـ«النداء» سبق أن أعلن أن لا ائتلافات ولا تحالفات ولا تشكيل حكومة قبل انتهاء الاستحقاق الرئاسي.
من جهته، قال القيادي في حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» (يترأسه شرفياً المرزوقي)، عمر الشتوي، في حديث لـ«الأخبار»، أن «رئيس الجمهورية طبق الدستور مستنداً إلى فصوله، ويناصره في ذلك فقهاء القانون الدستوري وكبار خبراء القانون في البلاد»، منتقداً بحدة، في الوقت ذاته، تدخل أطراف الحوار الوطني في خلاف كهذا.
وأشار إلى أن «الحوار الوطني ليس هيئة دستورية موكولاً إليها تفسير القواعد القانونية، وليس مؤهلاً لهذه الوظيفة». وشدد على أنه «يجب على رئيس الجمهورية أن يستمر في أداء مهماته حتى آخر يوم في وظيفته حتى لا يحدث فراغ دستوري ومؤسساتي».
وعلّق عمر الشتوي على تصريحات قياديي «نداء تونس»، قائلاً إن «الطرف المقابل يتعامل مع الدستور بطريقة مزاجية» في التفسير والتأويل والتطبيق. ورأى أنه إذا انقضى أجل الأسبوع دون أن يرد «نداء تونس» على الرئيس، فإن ذلك يعني «خرق الدستور» واحتقاراً لمؤسسات الدولة.