بغداد | بالتزامن مع الأزمة الأمنية التي يعيشها نتيجة التهديد الذي يواجهه بسبب تنظيم «داعش»، يعيش العراق أزمة أخرى أكثر حرجاً، وهي أزمة تراجع إيرادات الخزانة نتيجة تراجع أسعار النفط عالمياً.
وتحاول بغداد تطويق الأزمة المالية التي أعلنها صراحةً رئيس الحكومة حيدر العبادي قبل أيام قليلة، عازياً سببها إلى «زيادة الإنفاق الاستهلاكي وأسباب أخرى تتعلق بهبوط عوائد إنتاج النفط إلى جانب تدنّي أسعاره».

وتعود أسباب انخفاض صادرات العراق النفطية إلى الأزمة الأمنية التي مرت بها البلاد وسيطرة «داعش» على عدد من الحقول، وتدني الإنتاج من حقول إقليم كردستان بسبب الخلافات القائمة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، والتي بدأت بالحل مع بدء تصدير الإقليم لـ 150 ألف برميل يومياً باسم الحكومة العراقية منذ أيام، بعد اتفاق حل الأزمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، بعد زيارة وزير النفط العراقي عادل عبد المهدي لكردستان.
أزمة تراجع الصادرات بدأت بالانفراج مع تمكن القوات العراقية من فك الحصار عن مصفاة الصمود (مصفاة بيجي سابقاً)، وهي أكبر مصفاة في البلاد.
العبادي كان قد أشار في تصريحات سابقة إلى إمكانية «تحسين الواردات عبر زيادة الانتاج والاتفاق على موضوع نفط إقليم كردستان». ولم يكن يتصور حينها ألا تتمكن حكومة بغداد من استرجاع سوى 150 ألف برميل يومياً من كردستان في الوقت الذي كان من المفروض أن تدخل واردات 400 ألف برميل يومياً من الصادرات الشمالية إلى خزانة الدولة، وبذلك قد تذهب مساعي بغداد بتلافي الأزمة المالية في مهب الريح.
ويتوقع خبراء محليون عراقيون ودوليون انكماشاً كبيراً في الاقتصاد العراقي، لا سيما أن العراق يعتمد في مدخولاته على الاقتصاد الريعي بشكل كبير، ويشكل النفط المصدر الأساس في تلك المدخولات، يليه الغاز في الدرجة الثانية ثم الكبريت وبعض الموارد الأخرى.
أستاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية، الدكتور ميثم لعيبي، أوضح في حديث إلى «الأخبار» أن «الاقتصاد العراقي تميز بالريعية العالية، إذ تشكل الإيرادات النفطية نسبة تصل إلى 94% من إجمالي الإيرادات العامة كمتوسط للمدة من 2004 إلى 2013، كما تشكل الإيرادات النفطية نسبة تصل إلى 46% من الناتج المحلي الإجمالي كمتوسط لنفس المدة».

انخفاض سعر برميل النفط عالمياً سيحدث تقليصات حادة في موازنة 2015


واعتماد العراق على الريع يعني أنه يربط كافة متغيراته الاقتصادية، سواء الاستهلاك أو الاستثمار، العام والخاص، بمتغير النفط، ما يعني أن تأثيرات ذلك سواء بانخفاض كميات الانتاج أو الأسعار ستنعكس على باقي المتغيرات بالانخفاض.
اتبعت الحكومة العراقية خلال السنوات الخوالي موازنة السقوف العالية التي تقدر فيها سعر برميل النفط بـ90 دولاراً للبرميل الواحد، وتبنيها على كميات إنتاج ثابتة قدرت خلال السنوات القليلة الماضية بـ2،6 مليون برميل يومياً، في الوقت الذي تستخدم فيه الدول النفطية، ومنها الخليجية، موازنة السقوف الواطئة بتقدير سعر برميل النفط بـ60 دولاراً للبرميل كحد أدنى و70 دولاراً كحد أقصى، وذلك لتلافي خطورة العجر الذي قد يحصل في الموازنة نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية.
لعيبي توقع تأثر اقتصاد العراق بشكل كبير من خلال متغيرين رئيسين؛ الأول «يتعلق بانخفاض عائداته النفطية بسبب توقف التصدير عبر جيهان التركي نتيجة خروج حقول كركوك من الانتاج، ما قد يسبب انخفاضاً يصل إلى أكثر من 10% من الانتاج الكلي، والثاني أن انخفاض الأسعار تسبب بأن تقدر أسعار النفط في الموازنة بمقدار أقل من حدوده للعام الماضي».
انخفاض أسعار النفط عالمياً جاء بعد رفع الانتاج النفطي لبعض الدول الخليجية خارج السقوف المحددة لمنظمة «أوبك»، وهذا ناجم عن صراعات سياسية متطاحنة في المنطقة، بحسب رؤية الخبير في السياسة النفطية محمد كامل.
يقول كامل لـ«الأخبار» إن «الكثير من الاقتصاديين والمختصين لم يجدوا تفسيرات منطقية لانخفاض أسعار النفط ترتبط بظروف العرض والطلب، في حين أن منطقة الشرق الأوسط تفرض شروطاً جيوسياسية من الممكن أن تقود إلى إعادة التوازنات في المنطقة بحيث يشمل الصراع حرباً سعرية للنفط للمزيد من مد النفوذ بين المتصارعين».
«السعودية وقطر تحاولان أن تكسبا معركة الشرق الأوسط بكافة الوسائل، سواء العسكرية أو الاستخبارية أو النفطية، من خلال إضعاف القوة المالية للاقتصادات النفطية الأخرى كالعراق وإيران، من خلال خفض أسعار النفط ومن خلال رفع الانتاج النفطي خارج السقوف المحددة في أوبك»، يضيف كامل.
انخفاض أسعار النفط دون سعر 80 دولاراً للبرميل الواحد سيزيد العجز الحاصل في موازنة العراق، لا سيما مع عدم الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية في تطوير القطاعات الإنتاجية وتنويع الإيرادات.
وفيما يبدو أن العراق بات قاب قوسين أو أدنى من أزمة اقتصادية حادة، خصوصاً مع التدهور الأمني الكبير الذي شهده وسيطرة تنظيم «داعش» على العديد من المدن التي تحوي حقولاً نفطية أو يمر فيها خط تصديري للخارج مثل خط جيهان التركي الذي توقف لأسباب سياسية وأمنية.
يذكر أن وزارة النفط لا تعتمد في احتسابها سعر البيع برميل النفط على المبيعات الشهرية، بل هي تعمل على استجماع الناتج السنوي للإنتاج وتقسيمه بالشكل الذي يظهر فيه (معدل) سعر بيع برميل النفط.
الناطق باسم وزارة النفط، عاصم جهاد، توقع خلال حديثه إلى «الأخبار» انخفاض «معدل بيع سعر برميل النفط لعام 2014 إلى 90 دولاراً للبرميل الواحد، الامر الذي سيتسبب بعجز في الموازنة العامة للبلاد، وهذا التأثير لم يشمل العراق فقط، بل شمل كافة الدول المصدرة للنفط، لا سيما التي يكون فيها النفط مصدر أساس المدخولات المالية للبلاد».
وتشير تقارير إلى أن نسبة العجز في الموازنة الاتحادية العراقية للعام الحالي، 2014، تبلغ 30 تريليوناً و725 مليار دينار، بينما بلغت في عام 2013، 19 تريليوناً و128 مليار دينار.
ويبيّن جهاد أن «صادرات نفط كركوك عبر خط جيهان التركي توقفت منذ (2 آذار2014)، وهو ما حمّل العراق خسارة إنتاج قد يصل بمعدل (300-400) ألف برميل يومياً، والتي إذا احتسبت بالإيرادات المتوقعة فإن الخسارة ستقدر بمليار و200 مليون دولار شهرياً، أي ما يقارب أربعة عشر ملياراً و400 مليون دولار سنوياً، وهذا رقم بالتأكيد سيسبب مشكلة كبيرة بحسم الموازنة».
العراق كان يحاول تلافي خطورة الوضع الاقتصادي عبر اتخاذ سلسلة تدابير اقتصادية أهمها رسم موازنة العام القادم 2015 بتقديرات 80 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت عام 2014 بقيمة 90 دولاراً، لكن الانخفاض دون 80 دولاراً والتوقعات العالمية بعدم عودة أسعار النفط إلى السقوف العليا حالا دون ذلك.
الانخفاض في سقف سعر برميل النفط «سيؤثر بشكل بالغ في رسم الخطط الإنفاقية بما يعني من إحداث تقليصات حادة في موازنة 2015، وبالتالي انخفاض المخصص للمشروعات الاستثمارية بشكل كبير والتأثير في مجالات إنفاقية أخرى استهلاكية سيجري الضغط عليها، وذلك على حساب الكثير من الرفاه المفقود»، يقول الأكاديمي لعيبي.
واستطرد لعيبي «الموازنة التي سترسم للعام القادم ستكون ضمن أطر مراعاة استحقاقات أحداث الموصل وما بعدها، ما يعني الاضطرار إلى إعادة هندسة الإنفاق العام نحو المزيد من الإنفاق العسكري والأمني، فضلاً عن القضايا الاجتماعية بما يصبّ في معالجة قضايا النازحين».
صندوق النقد الدولي حذّر مراراً خلال هذا العام من تأثير هبوط أسعار النفط على ميزانية العراق لعامي 2014 و2015 موجهاً انتقادات إلى الحكومة العراقية لعدم إعدادها الموازنة بشكل صحيح بالشكل الذي يساهم في تطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى.
تأثيرات انخفاض الانتاج العراقي وهبوط سعر النفط عالمياً خلقا، بحسب رأي وزير النفط السابق ورئيس لجنة النفط والطاقة النيابية إبراهيم بحر العلوم، «عجزاً كبيراً للموازنة يحتاج إلى جهود كبيرة لسدّه».
وأوضح بحر العلوم في حديث إلى «الأخبار» أن «انخفاض أسعار النفط العالمي لم يكن ذا تأثير كبير بقدر توقف خط جيهان التركي الذي من المفروض أن يضخ أكثر من 400 ألف برميل يومياً، أي ما مجمله أكثر من مليار دولار شهرياً، وهذا الرقم ليس بالسهل خلال احتساب مفقودات البلاد السنوية نتيجة تلك العملية».