القدس المحتلة | شعورٌ بالضياع لا تبدده إلا فرحة الاستشهاد، هكذا يمكن وصف حال أفراد عائلة الاستشهادي عبد الرحمن الشلودي. فهم يرون أن الفرح واجب حينما يكون استشهاد ابنهم دفاعاً عن المقدسات، حتى وإن كان تفجير منزل العائلة هو «الثمن».

«إذا راح الغالي.. لا أسف على الرخيص»، وتستعجب العائلة من البكاء على منزلٍ فجّره الاحتلال بعدما مزّق جسد ابنها برصاص سوّاه أرضاً، إلا سبابة بقيت منتصبة بالشهادة حتى تسليم الروح.

استقبل ذوو الشلودي نبأ نية الاحتلال هدم منزلهم، بعد ساعات قليلة، من تلقّيهم خبر استشهاد ابنهم، فكان وقع كلمات وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، يتسحاق أهارنوفيتش ،«سلساً» على مسمعهم، مقارنةً بالخبر الأول.
فرحة الأم باستشهاد عبد الرحمن لا تخفيها دموعٌ عهدتها منذ زمن، فهي ظلّت تبكي على القهر الذي كان الاحتلال يمارسه بحق نجلها لمدّة طويلة. دوما كان الاحتلال يستدعي ابنها البكر إلى التحقيق من دون سبب، وفي مرّات أخرى سجنوه، حتى إنه قضى 3 أيام في السجن، عندما توجه إلى مركز شرطة الاحتلال ليبلغ عن سيارته التي سرقت، فاتهمه الشرطي بسرقتها وأخرجه من السجن من دون محاكمة.

كان الاحتلال يطمح إلى أن يكون عبد الرحمن عيناً له في سلوان

كان الاحتلال يطمح إلى أن يكون عبد الرحمن عيناً له في منطقة سلوان التي تمثل أحد أكثر الأماكن حساسية في المنطقة، إذ يعدها المستوطنون «مكان ولادة الدين اليهودي قبل 3 آلاف عام»، ويتطلعون إلى تهجير أهلها منها. حاولوا تجنيده لما كان له من قيمة ومحبة في قلوب أهل المنطقة، لكنه رفض واختار أن يفعل أكثر ما يخشاه الاحتلال، فانحرف بسيارته ودهس المستوطنين.
ظلّت عائلة الشلودي قوية رغم كل إجراءات الاحتلال التي مارسها لتثبيط عزيمتها، بدءًا من تسليم جثمان عبد الرحمن ليلاً على عكس عادة المدينة المقدسة التي لا تدفن الشهداء والموتى ليلاً، فأقصى موعد للدفن هو بعد صلاة العصر، ثم تحديد عدد المشيعين، وصولاً إلى هدم منزلها، لكن أكثر ما أقلق العائلة وأشعرها بالخجل، كان حين أخلى الاحتلال المبنى الذي تقطنه العائلة من كل سكانه، مداهماً البيوت وعابثاً بمحتوياتها، كما تبول بعض الجنود على أسرّة الأطفال!
لم تبالِ أم عبد الرحمن بهدم المنزل، ولم تفكّر في مصير سكنها. جلّ همها كان طلب السماح من جيرانها الذين «دفعوا الثمن» معها، حيث ظلّت تمشي بين الجيران كالزئبق، تعتذر لهم، فيما هم يربّتون كتفها ويؤكدون لها أنهم «أسرة واحدة»، وأن ابنها البطل هو شهيد القدس كلها.
بعد تفجير المنزل، سكنت العائلة في منزل شقيق والد الشهيد مؤقتاً، ريثما تجد منزلاً تستطيع دفع ثمن إيجاره، في ظلّ الدخل البسيط الذي يتقاضاه الوالد.
ويعوّل الاحتلال، عبر إجراءاته الانتقامية الحاقدة، على كسر عزيمة ذوي عائلة الشلودي وجعلهم عبرةً لغيرهم ممن يفكرون في تنفيذ عمليات استشهادية، لكن كلمات أم عبد الرحمن تبدّد كل آماله، حينما تقول متوجهةً إلى ابنها الشهيد: «الحمد لله كانت خاتمتك الشهادة، وما يهمك شو بصير فينا كله فداء القدس والأقصى».