إسطنبول | كان صمود الدولة السورية بمنزلة الضربة الأكثر قسوةً بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو، منظّر الاستراتيجية الخارجية لتركيا، خلال السنوات الأربع الفائتة من "الربيع العربي" الذي استفزّ المشاعر القومية والإسلامية لدى الثنائي المذكور.


ويفسّر ذلك الإصرار التركي على دعم الجماعات المسلحة التي تقاتل في سوريا بهدف إسقاط النظام هناك، مهما كلّف ذلك أنقرة. وكان لصمود الدولة السورية وفق النظرية التركية أن لعب دوراً رئيسياً في تصاعد الرفض الشعبي والعسكري لحكم "الإخوان المسلمين" في مصر التي تربطها بسوريا علاقات استراتيجية مهما كان شكل النظام في كلتا الدولتين.
وجاء عزل الرئيس المصري محمد مرسي ليمثل خسارةً كبرى للمشروع التركي، باعتبار أن الإخوان في مصر كانوا الحليف الاستراتيجي المكمّل للمشروع التركي لأسباب تاريخية وجيواستراتيجية بدأت مع حكم محمد علي باشا لمصر. ويفسر ذلك ردّ الفعل العنيف لدى أردوغان ضد حكم الرئيس عبد الفتاح السياسي في مصر واعتباره انقلاباً لا يعادي "الإخوان المسلمين" التنظيم الأم، فحسب، بل كل الحركات الإسلامية في العالم، بما فيها حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا.
وسعت أنقرة طوال الفترة الماضية إلى تعويض خسارتها في مصر عبر مزيد من التنسيق والتعاون مع الإسلاميين في ليبيا وتونس والسودان، وهي الدول المجاورة لمصر. ردّت مصر على هذا التحرك التركي بمزيد من التنسيق والتعاون مع السعودية والامارات والبحرين والجزائر بهدف الحدّ من التأثير التركي في المنطقة العربية. كذلك، جاء التقارب المصري مع السودان ودعم السيسي للجيش الليبي في حربه ضد الإسلاميين، وبالتالي الحديث عن فتح قنوات الحوار السرّي مع دمشق ضد "العدو المشترك" أردوغان، حاملاً في طياته مفاجآت عدة ضمن مسلسل المنافسة التركية المصرية من أجل كسب دعم واشنطن خلال استعدادها لإعادة رسم خريطة المنطقة العربية من دون أو مع إيران وتركيا غير العربيتين.
أما في تونس، فيمثّل سقوط حكم "النهضة" الإسلامي الضربة القاضية لـ"الحلم الأردوغاني"، وربما إلى الأبد، خصوصاً إذا انحازت الحكومة التونسية الجديدة إلى صفّ النظام المصري وإلى الثقافة العلمانية في المنطقة عموماً. فقد كان الغنوشي ـ وربما أكثر من الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وباقي الإسلاميين العرب المدعومين من قطر ـ حليفاً مهماً بالنسبة لأردوغان الذي يرى أن "النهضة" هي أكثر الأحزاب الإسلامية العربية المقرّبة من "العدالة والتنمية" التركي، لما لتونس من قواسم مشتركة مع تركيا على الصعيد السياسي والديني والاجتماعي، حيث إن مؤسس تونس الحديثة الحبيب بورقيبة كان معجباً جداً بمصطفى كمال أتاتورك، إضافةً إلى أن تونس هي الدولة العربية العلمانية الوحيدة بالمفهوم الدستوري، إذا وضعنا لبنان جانباً بسبب وضعه الخاص.
بعد خسارة "النهضة" في الانتخابات النيابية، سعى المسؤولون الأتراك إلى تجاهل "النكسة التونسية" سياسياً وإعلامياً، على الرغم من المعلومات الصحافية التي تحدثت عن دعم "العدالة والتنمية" لـ"النهضة" التونسية في مجال تقنيات الحملة الانتخابية. وركّز الإعلام الموالي لأردوغان على "نضج التجربة الديموقراطية التونسية"، واعتبر ذلك "انتصاراً لمشروع الربيع العربي". وعلى الرغم من انتكاسات السياسة التركية الخارجية في دول "الربيع"، لم يعنِ ذلك تخلي أردوغان وداوود أوغلو عن مشروعهما العقائدي لجعل بلادهما "النموذج المثالي للإسلام والديموقراطية".
كل ذلك تفسّره مواقف أنقرة المتناقضة إزاء أزمة عين العرب (كوباني) منذ أكثر من ٤٠ يوماً، سعى خلالها أردوغان وداوود أوغلو إلى إقناع الرئيس الاميركي باراك أوباما بضرورة دعم المشروع التركي لإقامة منطقة عازلة شمالي سوريا، في وقتٍ بات فيه من المعروف أن الرياض ومعها القاهرة وأبو ظبي لن تسمح بأي دور ريادي لأنقرة في المنطقة.
يحاول أردوغان اليوم تعويض خسارته المريرة لورقة "الإخوان المسلمين" عبر ورقة أكراد سوريا. هو يسعى إلى كسب ودّهم وحشدهم في صفه في حربه ضد الرئيس السوري بشار الأسد، ثم وضع أكراد المنطقة تحت الحماية التركية في حال أي قرار أميركي بإقامة دولة أو كيانات كردية مستقلة في سوريا وتركيا، ولاحقاً في إيران. ومع كل ذلك، لن يتخلى أردوغان عن "الإخوان المسلمين"، المظلّة العقائدية لحزب "العدالة والتنمية" الذي يحاول تغيير وجه تركيا، دولةً ومجتمعاً.