غزة | يكاد لا يختلف اثنان على أن انعكاس خسارة «حركة النهضة» في الوصول إلى قمة الهرم خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس، عكس رغبة وطنية بعدما ضاق كثيرون ذرعا بحالة الفوضى التي سادت البلاد خلال السنوات القليلة التي حكمت فيها الحركة. وخاف هؤلاء من أن يشيع التطرف وينهار الاقتصاد كما جرى النظر إلى الخطر الذي يحدق بالهوية الوطنية مقابل تنامي الحالة الإسلامية، فضلا عن بدء عمليات اغتيال، مثلت جملة من الميكانزمات الرافضة لحكم قد يوصل البلاد إلى ما وصلت إليه مصر.

وبجانب أن ثقافة تونس مرتكزة على التنوير كما شهدت العقود الماضية، وخاصة منذ التأسيس والاستقلال، فإنه من غير الممكن أن تستطيع «النهضة» أو غيرها شطب هوية شعب وثقافة دولة في مدة وجيزة أو تقرير حالة أسلمة، وذلك بعيدا عما يقال بشأن «اختلاف» طريقة تفكير زعيم الحركة، راشد الغنوشي، وتأثره بالتجربة الغربية.
أيضا، فإن «إخوان تونس» لم يعطوا ما يطمئن الشعب التونسي على صوابية رأيها، وإن معادلة «الدومينو» في الساحه العربية بعد انتقال «الهبات الشعبية» ثم تحولها إلى مواجهات دامية لن تتكرر في تونس، وخاصة أنها لم تعالج الشرخ مع النظام السوري.

بررت «حماس» الموقف التونسي لكوادرها أو حتى عبر الإعلام

فلسطينيا، وبرغم بعد تونس جغرافيا عن غزة، فإن «حماس» التي خاضت أول تجربة إخوانية حديثة في الحكم تشعر بأنها فقدت عنصرا آخر من أيام حكم الجماعة الأم، ومدى تأثير ذلك على تجربتها التي لم تنته بعد، ولاسيما أنها خلال تسع سنوات سيطرت فيها على غزة خاضت ما يمكن وصفه بالمغامرات السياسية التي أدت نتائجها إلى تآكل شعبيتها من ناحية الرغبة في بقائها على رأس الحكم، بعيدا عن الحديث عن شعبية المقاومة وفكرتها.
العنصر الخطير في تجربة «حماس» أنها لا تزال تعيش عزلتها السياسية رغم الحرب الأخيرة لارتباطها العضوي والروحي الكامل بمشروع الإخوان، وهو ما دفعها إلى تبرير الموقف التونسي وتقديمه داخليا لكوادرها، أو حتى عبر الإعلام، على أنها «ديموقراطية» جديدة تسطّرها «النهضة» بالتنازل عن الحكم، وهكذا تصف القاعدة الفكرية والثقافية للحركة «التراجع» بالتنازل، تماما كما وصفت عبر وزراء ونواب انتقال الحكم في قطر من الأمير الأب إلى الابن تميم بأنه «ربيع خليجي خال من الدماء».
التجربة في تونس تؤكد أن المغامرات السياسة في الداخل والخارج تفضي إلى عزلة سياسية، وبيئة معادية لو كانت تميل إلى حمل السلاح، على خلاف تونس، فهي في أول لحظة قوة ستمثل تمردا على الحكم القائم، وهذا ما يثير المخاوف في غزة، مع أن أي هجوم سياسي أو عسكري أو إعلامي على «حماس» سيصنف في إطار الهجوم على المقاومة، لكن ذلك ينهار أمام اتهامات «الإرهاب» وما يحدث في سيناء ونقل المقاومة من صورتها الحقيقية إلى ما آلت إليه أكبر حركات التحرر في فلسطين بسبب تجربة الحكم والحصار.
وقبل مدة كان رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قد أرسل رسالة إلى الغنوشي عبر وسطاء وهو يرجوه فيها أن يتحدث مع «حماس» كي تستفيد من تجربة «النهضة» وتقبل تخفيف الضغط على مشروعه، وذلك حتى بعد قبول الحركة «المصالحة الهزيلة» من أجل بقائها في زاوية الصورة بعيدا عن تصدر المشهد ومشكلاته الطاحنة.
ولا ينسى كثيرون أن «النهضة»، وخاصة زعيمها الغنوشي، كانت لها حصة كبيرة من الدرس الإسلامي الداخلي لدى «حماس»، بل أحيانا في أدبيات «الجهاد الإسلامي»، وهو بالتأكيد ما سيؤثر في القراءة داخل الحالة الإسلامية الفلسطينية. وبات معلوما لدى كل من راهن على تجربة ديموقراطية تصمت عنها أميركا في المنطقة أنها خيار قد سقط، وصار هناك سعي حثيث إلى «بناء دول قوية على أساس وطني»، فيما تفتت دول أخرى.
في ظل ذلك، يبقى السؤال في الساحه الفلسطينية عن تأثيرات ما جرى في مصر وتونس وأماكن أخرى على الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الضفة وغزة، فلو فازت «حماس» فإنها ستعود مرة أخرى إلى تأليف الحكومة وتكرار سيناريو قد يكون أشد مما جرى بعد انتخابات 2006، فيما لو خسرت فإن ذلك سيعزز فرصة خصومها من الوطنيين واليساريين، أي إنها في كلتا الحالتين تذهب إلى خيارين أحلاهما مر، ومن هنا يمكن فهم مقترح تأليف «قائمة موحدة» مع «فتح» للخروج من المأزق، ولكن كيف سيجتمع خصوم اليوم والأمس وضمن أي برنامج؟
اليوم أضحى تيار الإسلام السياسي وقد ظهر على أنه أضاع الفرصة وخسر مواقعه القيادية ومواقفه الشعبيه في عدد من الساحات العربية ليس لأنه لم يستطع جمع الأطياف من حوله، بل لأنه لا يمتلك نظرية قوية في إدارة الدولة، ومن هنا تأتي خسارة «النهضة» سياق انزياح خط القوة الشعبية من أيدى الإسلاميين إلى من يؤمن بالوطن والشعب.
وصار واضحا أن الديموقراطية في أدبيات الإخوان وسيلة لا منهجا كأنها سلّم يستخدم لمرة واحدة ثم يجب قذفه في وجه الشعب أو حرقه حتى لا يستخدمه أحد مرة أخرى. مع ذلك، هناك أمل في أن الممارسة السلمية في تونس قد تمهد لشكل آخر من التعاون، وخاصة إن شاركت «النهضة» في إدارة البلاد عبر عدد من الوزراء. وإن خسرت «النهضة» فإن تونس قد ربحت، لذلك يجب أن تخسر «فتح» أو «حماس»، وتربح فلسطين، أو ما تبقى منها، كي يمكن العمل على إطار سياسي موحد، بعيدا أيضا من الحديث عن أن السلطة هي من إفرازات اتفاق أوسلو، لأن «أخف الضررين» أفضل من جمع الضررين.