الرباط | ألقت إفرازات المشهد السياسي التونسي، إثر نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بظلالها على الساحة السياسية المغربية، وبدا أن كثيراً من النخب السياسية المغربية قد انتشت بما سجلته النتائج من اندحار وتراجع لحركة «النهضة» الإسلامية لحساب حزب «نداء تونس»، الذي يصنف نفسه في خانة «الأحزاب المدنية»، وظهر أن خصوم إسلاميي حزب «العدالة والتنمية»، الذي يقود الحكومة الحالية في المغرب، أكثر ترحيباً بهذه النتائج، بل ذهب بعضهم إلى تحذير إسلاميي المغرب من سقطة مفاجئة إن استمروا في اتباع سياساتهم نفسها، فيما رأى معظم أنصار حزب «العدالة والتنمية» في النتائج المسجلة عودة لنظام زين العابدين بن علي، وخسارة فادحة لـ «الثورة» التونسية.

«أتمنى من رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، أن يأخذ العبرة من أصدقائه في تونس عوضاً عن أن يتصرف كأنه باق في منصبه إلى الأبد»، عبارة صدرت عن محمد الأبيض، زعيم حزب «الاتحاد الدستوري» (يمين إداري) أحد أحزاب المعارضة البرلمانية، خلال ندوة صحافية عقدتها أحزاب: (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الدستوري) مساء الثلاثاء لتسليط الضوء على استراتيجيتها لمواجهة الائتلاف الحكومي بخصوص مقترح تقدمت به المعارضة، وترفضه الحكومة، لإنشاء لجنة مستقلة لإدارة الانتخابات، إذ ظهر كأن تراجع حزب ينتمي إلى ذات العائلة الفكرية والإيديولوجية، المنتمي إليها «العدالة والتنمية»، مؤشر إلى صحّة دفوعات المعارضة القائلة بفشل تيارات «الإسلام السياسي» في الحكم، وإن رأت المعارضة أن إسلاميي تونس أكثر عقلانية وحكمة.

حرص القادة الإسلاميون البارزون على تجنب إعطاء قراءات لنتائج انتخابات تونس

في السياق ذاته، أشار الناطق الرسمي باسم حزب «الاستقلال» (يمين محافظ) عادل بنحمزة، إلى أن النتائج التي سجلتها الانتخابات التونسية لم تكن مفاجئة بالنظر إلى حجم الأخطاء التي راكمتها الترويكا الحاكمة خلال المرحلة الانتقالية، ممّا ساهم في تكوّن جبهة شعبية واسعة معارضة عرفت تحالف المعارضة الدستورية والليبرالية، وبعض الحساسيات اليسارية. وتابع بنحمزة حديثه لـ «الأخبار»: « أعتقد أن النتائج الحالية متطابقة مع واقع الخريطة السياسية، والإيجابي هو أنّ النتائج ستعالج تشرذم المشهد الحزبي من خلال إفراز قطبين كبيرين يتمثلان في كل من «نداء تونس» و«النهضة»، إضافة إلى الجبهة الشعبية كحالة متفردة في عائلة اليسار»، ولا يعتقد الاستقلالي، الذي كان حزبه حليفاً للإسلاميين في الحكومة قبل إعلان انسحابه إلى المعارضة، أنه يصح توصيف ما حدث في تونس على أنه «تصويت عقابي»، بل هو تصويت سياسي ناجم عن نجاح حركة «نداء تونس» في جعل المعركة بين معسكرين: حداثي ليبرالي، وإسلامي محافظ. ويرى بنحمزة أنّ من الصعب عقد مقارنات بين التجربتين المغربية والتونسية، لأنهما تطورتا في سياقات مختلفة، ويتابع «صحيح أن حزب العدالة والتنمية وحركة النهضة يتقاطعان في عدة جوانب، لكن تبقى حركة النهضة تبدو أكثر انفتاحا».
في معسكر الإسلاميين، بدا القادة البارزون حريصين على تجنب إعطاء قراءات للنتائج، في الوقت الذي عبرت فيه القواعد من الشباب عن خيبة أمل كبيرة من نتائج الانتخابات التونسية، التي حملت، على حد قولهم، عودة لنظام بن علي. فبينما اكتفى القيادي البارز في حزب «العدالة والتنمية» ووزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني بتهنئة التونسيين على انتخاباتهم في تغريدة له على موقع تويتر جاء فيها «مهما كانت نتائج الانتخابات التونسية فلا بد أن نهنئ الشعب التونسي على نجاحه في تحدي الظروف والضغوط، والتعبير عن اختياره بصورة حضارية راقية»، شبّه البرلماني الشاب في الحزب نفسه محمد خيي، حزب «نداء تونس» الفائز في الانتخابات بحزب «الأصالة والمعاصرة» المغربي لأنه «يجمع شتات اليسار والأعيان وحديثي العهد بالسياسة» على حدّ قوله. غير أنه أردف: أنّ «هذه الخلطة لم تكن لتكون كافية للفوز لولا دعم الدولة العميقة وفرنسا».
ومثلت النتائج التي حصل عليها اليسار الراديكالي، ممثلاً بالجبهة الشعبية التي حصلت على 16 مقعداً في البرلمان التونسي مفاجأة سارّة أشاد بها «الرفاق» في المغرب، الذين قد تكون التجربة ملهمة بالنسبة إليهم لمحاولة محاكاتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وخصوصاً بعد ميلاد «فدرالية اليسار الديموقراطي» كتنسيق متقدم بين عدد من الأحزاب اليسارية، وبرغم هذه النتائج، التي عدّها معظم المراقبين إيجابية، رأى محمد العوني القيادي البارز في الحزب «الاشتراكي الموحد» (يسار جذري) أن قوة اليسار الفكرية والميدانية في تونس أكبر مما أعطته النتائج لولا التشتت والتأخر في الإجابة السياسية على التطورات، برغم أنّ اليسار قدّم أكثر التضحيات وأكبر عدد من الشهداء، سواء خلال الثورة أو بعدها.
وأردف العوني في تعليقه لـ «الأخبار»: «التجربة التونسية التي منها انطلقت شرارة الربيع، استطاعت أن تؤكّد أن الديموقراطية بناء ممكن بالمنطقة، على عكس الرسائل التي يراد بعثها من البلدان الأخرى، ومن ثمة فالرابح الاول والأهم، في هذه الانتخابات، هو تونس بل والبلاد العربية ككل وربيعها المقبل». وختم العوني: « لقد جعل النضج السياسي في تونس كافة المكونات السياسية تستفيد ايجاباً من سلبيات ما وقع في البلدان الأخرى، مثل مصر وسوريا واليمن، وكان من ضمنها حزب «النهضة» الذي غلب التعامل السياسي على التعامل الديني مع الأحداث، وبذلك حافظ على موقعه في الخريطة، كما استفاد الليبراليون بأن تجمعوا بسرعة لإنشاء تيار براغماتي استطاع أن يجيب على الحاجة السياسية البارزة في تونس».