تونس | معركة شرسة تخوضها صفحات التواصل الاجتماعي في تونس، وخصوصاً شبكة «فايسبوك» الأكثر حضوراً في الحياة التونسية، بسبب تعليقات قياديين في «نداء تونس» و«الجبهة الشعبية» حول نتائج الانتخابات التي جرت، الأحد الماضي، في محافظات الجنوب الخمس، التي آلت فيها المرتبة الأولى لحركة «النهضة».


ففي ولايات قابس وتوزر ومدنين وقبلي وتطاوين، فازت حركة «النهضة» بالمرتبة الأولى وبأكبر عدد من الأصوات، وذلك بفارق شاسع عن صاحب المرتبة الثانية «نداء تونس»، الذي فاز بالمرتبة الأولى في محافظات الشمال والوسط والساحل.
الخريطة الانتخابية الجديدة دفعت بعض القياديين في «نداء تونس» وفي «الجبهة الشعبية» إلى الحديث عن غياب الحداثة وتضاؤل المشروع التنويري في الجنوب. واستغل حزبا «النهضة» و«المؤتمر» تصريحات منسوبة إلى القيادي في «الجبهة الشعبية»، الناصر العويني، صاحب المقولة الشهيرة مساء ١٤ كانون الثاني ٢٠١١ «بن علي هرب» التي مثلت الإعلان الرسمي لسقوط النظام، وأخرى منسوبة إلى القيادي في «نداء تونس»، الأكاديمي المتخصص في التاريخ الحديث ناجي جلول، لإشعال «حرب أهلية افتراضية» قادتها الصفحات القريبة من حزبي «النهضة» و«المؤتمر»، ولتصوير «نداء تونس» و«الجبهة الشعبية»، صاحبي المرتبة الأولى والرابعة في الانتخابات، على أنهما يعاديان الجنوب.
ولكن في مقابل ذلك، تصدى حزبا «نداء تونس» و«الجبهة الشعبية» لهذه التهم التي اعتبرت مؤامرة جديدة من طرف حزبي «النهضة» و«المؤتمر» لبثّ الفتنة في الشارع التونسي بعدما خسرا الغالبية في البرلمان. كذلك حمّل عدد من الناشطين الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي وأنصاره مسؤولية هذه «الحرب الأهلية الافتراضية»، من خلال استعمال ورقة الجنوب بدعم من حركة «النهضة»، لقطع الطريق أمام زعيم «نداء تونس» الباجي قائد السبسي، سليل حاضرة تونس.
وينحدر المرزوقي من الصحراء التونسية، وتحديداً مدينة دوز، كما تنحدر غالبية قيادات حركة «النهضة» من محافظتي قابس ومدنين، مثل زعيمها راشد الغنوشي وأمينها العام علي العريض ورئيس كتلتها في المجلس الوطني التأسيسي الصحبي عتيق، كما ينحدر الأمين العام لحزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» من محافظة مدنين.
هذا الجدل خلق شرخاً كبيراً في الشارع التونسي، فاتهمت فئات من التونسيين المنصف المرزوقي وحركة «النهضة» باستعمال الجنوب كورقة في المعركة الانتخابية، على اعتبار أنه كان دائماً خارج دائرة القرار السياسي، رغم كل ما قدمه من شهداء ومناضلين في معركتي الاستقلال وبناء الدولة.
ورغم أن أنصار الرئيس المؤقت من قواعد حزبه «المؤتمر» وقواعد حركة «النهضة»، يسعون من وراء تسويق هذا الخطاب إلى تجييش الجنوب ضد الباجي قائد السبسي، المرشح الأكثر حظاً نظرياً إلى حدّ الآن للمرور إلى الدور الثاني من الانتخابات، إلا أن هذه «المعركة» لم تلق حظاً كبيراً من التسويق. فقد تم، أمس، وبشكل مكثف تداول وثيقة تعود إلى عام ١٩٩١، مرتبطة بموقف الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي من الحرب الأميركية على العراق، عندما كان رئيساً للرابطة التونسية لحقوق الإنسان. حينها، نشر المرزوقي مقالاً بارك فيه الحرب على العراق، ودعا إلى استئصال النظام العراقي. وكان هذا المقال، قبل حوالى ربع قرن، الباب الذي فتح النار على المرزوقي، فتعرّض على إثره لهجومات شرسة من القوميين بشكل خاص، وصلت إلى حد إصدار عريضة إدانة وتنديد من مدينته دوز.
هكذا تنزلق الحياة السياسية في تونس، من إمكانية تحقيق الجمهورية الثانية التي يحلم بها التونسيون إلى معارك قبلية وجهويّة ومحلية تحت غطاء سياسي، تهدف إلى دعم حظوظ المرزوقي في الوصول إلى قصر قرطاج، بعدما تآكلت شعبيته وشعبية حزبه، بعدما حاز أربعة مقاعد فقط من جملة ٢١٧ مقعداً. فلم يبق له ولأنصاره من وسيلة إلا النعرة الجهوية والقبلية، التي ستسقط لا محالة لأنه لم يحقق شيئاً للجنوب طيلة ثلاث سنوات من سكنه قصر قرطاج.