سيناء | بدأ طلاب وتلامذة مدارس مدن الحدود في شمالي سيناء، خصوصاً مدينتي الشيخ زويد ورفح، الانتظام بمدارسهم مع بداية العام الدراسي الجديد، وسط حال من الترقب والحذر، ومخاوف المعلمين العاملين في مدارس تقع في المناطق التي تشهد عمليات أمنية وعسكرية يومية، وفي ظلّ تهديدات من جماعات جهادية بتفجير الباصات التي تنقلهم يومياً من مدينة العريش إلى مدارسهم.


وبحسب مصادر، رفضت ذكر اسمها، هناك قائمة بعدة مدارس تهدّد حياة العاملين فيها، من معلمين ومعلّمات، بسبب وقوعها فى نطاق تحرّكات قوات الأمن أثناء ملاحقة مسلحين تابعين للجماعات الجهادية. فضلاً عن إغلاق الطرق المؤدية إليها بين الحين والآخر لعدة ساعات، ما يسهل وصول المسلحين إلى الحافلات التي تقلهم في رحلتي الذهاب والإياب.
وأشارت المصادر إلى أنّ أهم المناطق تقع جنوب مدينة الشيخ زويد، في قرى الخروبة وأبو لفيتة والتومة والزوارعة والمقاطعة ومحيط قرية الجورة والظهير، وجميعها مناطق تشهد مواجهات بين الجماعات الجهادية المسلحة، وقوات من الجيش، خلال الحملات العسكرية التي تدور رحاها في تلك المناطق.
ويقول عدد من المعلمين إنّهم يصابون بالذعر يوميّاً خلال رحلتي الذهاب والإياب من وإلى مدارسهم الواقعة بمرمى السلاح العشوائي، وهذا الذعر مصدره الجماعات الجهادية، وقوات الجيش في الوقت عينه، التي تطلق نيارنها على أي أهداف متحركة، بصرف النظر عما إذا كانت مدنية أو تابعة للجماعات.

الذعر مصدره الجماعات الجهادية وقوات الجيش في الوقت عينه

يقول سامي عبد اللطيف (مدرّس) إنّ بداية العام الدراسي تمثل لهم حلقة مغلقة من الرعب الحقيقي خشية استهدافهم بالرصاص، في ظل تهديدات واضحة وصلت إلى عدد من المعلمين بتفجير الباصات التي تقلهم من مدينة العريش إلى مدارسهم في مناطق الحدود الواقعة على مسافة 45 كم شمال شرق العريش. ويشير إلى أنّ المعلم كي يصل إلى المدرسة يصطدم بعوائق كثيرة، منها عدم توافر المواصلات، واضطراره إلى استقلال سيارات خاصّة تكلّفه مبالغ مالية مضاعفة، قد تصل إلى 50 جنيهاً في اليوم، وفى كلّ الأحوال سيتأخر بالوصول إلى مدرسته ما بين العاشرة والحادية عشرة، نتيجة وجود كمائن على الطرق، وإغلاق الطرق أثناء التحركات الأمنية، إضافة إلى إحساس المعلم، أثناء ذهابه وإيابه، بأنه تحت خطر الموت "الذي قد يأتي من رصاصة طائشة".
وكانت عدة مدارس في القرى الحدودية في سيناء قد تضرّرت نتيجة تعرضها لسقوط قذائف خلال عمل الحملات العسكرية لملاحقة مسلحين وجهاديين، منها مدرسة "الزارعة" جنوب الشيخ زويد، التي دمّرت قذيفة عسكرية جزءاً كبيراً من أحد مبانيها، إضافة إلى "المعهد الأزهري" في قرية الجورة، الذي احترقت طبقته الثانية بالكامل.
ويؤكد خالد زايد، وهو ناشط مجتمعي، أنّ الأجواء الحالية غير مواتية للتعليم في القرى والتجمعات الحدودية في شمال سيناء، "لكن أصبح لدينا اقتناع نحن الأهالي بأنها ظروفنا ولا بد أن نتكيف معها"، معرباً عن استيائه من تجاهل المسؤولين ومجالس الآباء لمشاكل التعليم، لافتاً إلى ضرورة إيجاد وسائل مواصلات آمنة للمعلمين مؤمنة من قبل قوات الجيش والشرطة.
وبحسب حسن صقر، وهو المدير العام لإدارة الشيخ زويد التعليمية، في تأكيده لـ"الأخبار"، فإنّ إجماليّ عدد المدارس في كل أنحاء مدينة وقرى الشيخ زويد يبلغ 26 مدرسة ابتدائية، 11 مدرسة إعدادية، 15 مدرسة تعليم أساسي، ثلاث مدارس ثانوية عامة، أربع مدارس تعليم فني، أربع مدارس فصل واحد، ومدرستين للتربية الفكرية، إلى جانب مدرسة واحدة تجريبية.
وليس المعلمون فقط من يتعرضون لمخاطر وتهديدات الإرهاب والرصاص العشوائي، ولكن الإرهاب يضرب أيضاً المزارعين في شبه جزيرة سيناء، ويحاربهم في أرزاقهم. حيث تعرض موسم قطاف الزيتون في سيناء العام الحالي لخسائر فادحة، نتيجة وقوع غالبية المزارع تحت نيران المواجهات في العريش، وداخل معاقل المسلحين في الشيخ زويد. ويواجه محصول زيتون سيناء هذا الموسم خطر "البوار" جرّاء تأثره بالحرب الدائرة على الإرهاب في مناطق جنوب وشرق العريش، ورفح، والشيخ زويد، والتي تقع غالبية مزارع الزيتون فى ميدان عملياتها، ما أثار مخاوف العمال وعرقل قطاف الزيتون ونقله وأدى إلى تراجع أسعاره وتكبد المزارعين خسائر فادحة برغم غزارة إنتاجه هذا العام. وأكد عدد من المزارعين لـ"الأخبار" أنهم تخلّصوا من إنتاج هذا العام بسعر بخس، نظراً إلى الصعوبات التي تواجه عمليات القطاف والنقل في مناطق ينهمر فيها الرصاص من كل جانب.
ويقول رشاد محمود، وهو من أصحاب مزارع الزيتون في منطقة وادي العريش، إنّ "هذه المنطقة تعدّ الأكثر إنتاجاً لمحصول الزيتون في منطقة شبه جزيرة سيناء شمال. ومعروف أن محصول الزيتون يكون غزيراً كلّ عامين، وهذا العام الإنتاج غزير جداً، ولكن نواجه صعوبة بالغة في جمع حبوب الزيتون ونقلها"، مرجعاً سبب ذلك إلى أنّ هذه المزارع تحيط بها ارتكازات أمنية، ويحظر فيها التحرك مع مساء كل يوم، وتشهد خلال ساعات النهار تمشيطاً ومواجهات بين قوات أمنية ومسلحين وقيام إرهابيين في بعض الأحيان بزراعة عبوات على الطرق الرئيسية المارّة بجوارها ومن ثمّ الفرار، ما يعقبه عمليات تمشيط وإطلاق نيران. لذلك، يكون من الصعب على العمال الانتشار والقيام بجمع الحبوب، وإحضار سيارات لنقلها "وكلّما اتفقنا مع مجموعة عمّال، يأتون يوماً ثم لا يعودون".
من جهته، يشير المزارع أحمد أحمد (من منطقة ساحل الشيخ زويد) إلى اضطرار المزارعين إلى بيع إنتاجهم بثمن بخس بحدود جنيه إلى جنيه ونصف للكيلو، بينما يصل سعره في المعتاد إلى نحو ثلاثة جنيهات وأربعة جنيهات لبعض الأنواع الأخرى الخاصة بالزيت. ويضيف: "لم نستطع ككل عام أن ننقل الإنتاج إلى أسواق الجملة في العريش والمحافظات الأخرى، نظراً إلى صعوبة السير من الشيخ زويد للعريش عبر طرق غير ممهدة، وطلب سيارات النقل لأسعار مضاعفة، إضافة إلى أن السير غير متاح إلا خلال ساعات النهار"، لافتاً إلى أنّ الأسعار التي اضطروا (كمزارعين) إلى البيع بها "هي تقريباً تكلفة الزراعة وأجور العمال". ويقول عدد من مزارعي الزيتون في مناطق وقرى جنوب وغرب الجورة وأبو لفيتة وجنوب قرية التومة وجنوب قرية الخروبة، جنوب وغرب مدينة الشيخ زويد، التي انتشرت فيها مزارع الزيتون من أجود الأنواع، أنهم لا يستطيعون العمل في مزارعهم التي تقع مباشرة في مرمى النيران.
عضو الغرفة التجارية في شمال سيناء، ناصر أبو عكر، يطالب من جهته بضرورة وجود وسيلة مناسبة لنقل محصول الزيتون وتسويقه، وأن تتولى جهات الدولة الرسميّة هذا الأمر، نظراً إلى ما تشهده المنطقة من أحداث أدّت إلى تراجع غالبية المورّدين عن الحضور إلى سيناء، وتسويق هذا المنتج، الذي يعد الأهم، موضحاً أنّ "ما يحدث الآن هو إهدار لهذه الثروة، وضياع لأرزاق آلاف الأسر، ما بين مزارعين وعمال وسائقين وغيرهم".