غزة | منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدام رئيس وزراء حكومة التوافق، رامي الحمدالله، أرض قطاع غزة، في زيارته الأولى منذ توليه مسؤولية الحكومة، تشعر أطراف معينة داخل حركة "حماس" أنّ بساط السلطة يُسحب، أكثر من اللازم، من تحت أقدامها، أو أكثر ممّا هو مطلوب.


يأتي هذا التوجس بعد سيطرة دامت أكثر من ثماني سنوات متواصلة على القطاع، مع أنّ كلا الحركتين سعتا إلى إنجاز هذه الحكومة حتى نجحتا بعد أكثر من محاولة لم يكتب لها النجاح.
وقبل أن ترتب "التوافق" الجوانب الأمنية لزيارتها بالتعاون مع عناصر الحكومة السابقة، الذين لم يتلقوا رواتبهم من حكومتهم الجديدة بعد، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، فتح باب التسجيل لشباب غزة للالتحاق بصفوفها بغية تكوين "جيش شعبي" يكون قادراً على "مواجهة إسرائيل في الحروب المقبلة".
وَنصّ الإعلان الذي ألصق في المساجد المحسوبة على "حماس" على أن "كتائب الشهيد عز الدين القسام تعلن عن تشكيل جيش شعبي في غزة، وتدريبه على الأسلحة المختلفة، ليشارك في مواجهة الاحتلال في أي حرب قادمة، ويمكن للشباب الراغبين في الالتحاق بالجيش التسجيل لدى مندوبينا المعروفين لديكم، لتدريبهم وضمّهم". وأشار الإعلان، آنذاك، إلى أنّ التدريب سيكون على الأسلحة الخفيفة، وبعض الأسلحة الثقيلة مثل الهاون، إضافة إلى أن مراكز تدريب ستكون مفتوحة طوال العام، مشدّداً على أن "الجيش الشعبي" بات ضرورياً، "وستوكل له مهمات كثيرة إذا ما شنّ الاحتلال أيّ عدوان جديد".
الإعلان نفسه نشر على الموقع الرسميّ للكتائب في ذلك الوقت، لكنه بعد ساعات معدودة حذف، وتزامن ذلك مع نفي المتحدث باسم "حماس"، سامي أبو زهري، الموضوع جملة وتفصيلاً. وكان أبو زهري قد قال، عقب نشر الإعلان، لـ"الأخبار"، إنه "لا صحة لهذه الإشاعات، وما تمّ الإعلان عنه هو استكمال مشروع الفتوة الذي ترعاه الحركة منذ سنوات عديدة، من أجل إنشاء جيل مقاوم وقوي"، منبّهاً إلى أن التدريب محدود للغاية، ويختص بفئة عمرية محددة من الفتيان.
ولم يمض وقت كثير على النفْي من المستوى السياسي، حتى عادت الكتائب لنشر الإعلان نفسه، وتحديداً عقب زيارة الحمدالله إلى غزة، علماً بأن الفصل الدراسي بدأ، وهو ما ينفي ارتباط القضية بالمخيمات الصيفية.
مصادر مقربة من المتحدث باسم "القسام"، أبو عبيدة، أكدت لـ"الأخبار" أن هذا الموضوع بالذات "لن نصرح بطبيعته حالياً"، لكنه أشار إلى أن جزءاً من الإعلان كان في نطاق "الإعلان الشعبي" لأهداف خاصة بالحركة، "ولا توجد رغبة في الإعلان العالمي أو تداول الأمر عبر الصحف والمجلات العربية والعالمية".
ارتباك واضح دفع الباحث في التيارات الإسلامية محمد حجازي إلى القول إنه لا يخفى وجود وجهات نظر داخل "حماس"، واتجاهات "غير مرتاحة لمسار المصالحة الفلسطينية في ظل الحديث عن بسط حكومة التوافق سيطرتها على القطاع، والطلب المباشر والفوري لعودة الموظفين، وخاصة الأجهزة الأمنية، إلى مراكزهم".
ويعتقد حجازي أنّ هذا الإعلان "تصريحات إعلامية من أجل إيصال رسائل أكثر من كونه قضية جدية وحقيقية"، مضيفاً: "برز ذلك واضحاً في تكرار الإعلان أكثر من مرة، عند كل منعطف تسير فيه حكومة التوافق لتثبيت نفسها في غزة، لكن الجهات الرسمية في حماس تنفيه بالتزامن".
ومضى يقول لـ"الأخبار": "هو الأسلوب نفسه الذي استخدم بشأن الحديث عن تسلم حكومة الحمدالله إدارة المعابر، فتظهر تصريحات من داخلية حماس نافية الأمر، وفي الوقت نفسه توجد تصريحات مغايرة".
في الوقت نفسه، يشدد حجازي على أن المعابر مع الاحتلال ليست تحت سيطرة "حماس" مباشرة، "فهي تقيم نقاطاً أمنية قبل الحدود الجغرافية للمعابر، لذلك فلا داعي لتخوفاتها في هذا التوقيت بالذات، وخاصة أن موازين القوى على الأرض تفرض نفسها، فالقسام هي القوة الأساسية، ولن يصير فرض مباشر وسريع لسيطرة السلطة".
أما الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب، فيرى أنّ "الوضع مربك لتيارات داخل حماس لا تزال ترفض ما جرى التوصل إليه على أرض الواقع في ما يخص بنود المصالحة"، مقدراً أنّ هذه الأطراف هي المعنية بنشر إشاعات حول فتح باب تجنيد الشباب، وهو ما تنفيه المواقع الرسمية للحركة. لكن الظهور المباشر لكل القيادات الحمساوية في استقبال الحمدالله أعاد السؤال عن حقيقة هذه الخلافات.
يجيب حبيب: "رغم التصريحات المتضاربة، فإن الحركة لا تعترف على الملأ بوجود خلافات داخلية، لذلك تحاول تجاوزها ضمن التنظيم، لأن حماس تعتبر نفسها الحركة الحديدية التي يصعب اختراقها"، لذلك يبدو أن عامل الوقت يبقى سيد الموقف في كشف مصير المصالحة وطبيعة الإجماع الحمساوي على قبول المصالحة التامة مع "فتح"، ولا سيما أن "حماس" تتعامل على قاعدة الأزمة وإنقاذ نفسها من الضائقة السياسية والمالية.