الغائب الأكثر حضورا في مؤتمر إعادة الإعمار في القاهرة، كان إسرائيل. فهي المؤسِّسة الأصيلة لهذا المؤتمر، الذي ما كان لينعقد تحت هذا العنوان لولا الدمار الذي تعمد جيشها إلحاقه بالقطاع. وهي التي وضعت مبادئه وضوابطه، لجهة ضمان أن يكون وفق إيقاع وآلية، تضمن بموجبهما إسرائيل عدم استفادة المقاومة أيضاً من المواد المفترض دخولها إلى القطاع، ولولا القلق من أن يؤدي استمرار الواقع القائم في القطاع الى إعادة التوتر الأمني على الجبهة الجنوبية للدولة العبرية لما كان للمؤتمر أن ينعقد.


وعلى ذلك، فإن أصل ومسار إعادة الإعمار سيكونان بما يضمن تعزيز التهدئة، وفق المفهوم الاسرائيلي، وخاصّة أن المطالب الأساسية للشعب الفلسطيني ليست ضمن جدول أعمال هذا المؤتمر، ولا مشروطة به.
إلى ذلك، فإن الاتفاقات التي سبقت المؤتمر ضمنت أيضا، عودة السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، على أمل أن يمثل ذلك انطلاقة جديدة تراهن اسرائيل، وعدد من الدول العربية، على أن تؤدي الى تطويق وتحجيم المقاومة في قطاع غزة.
قوة حضور اسرائيل في المؤتمر، أوجبت التمهيد له ببلورة ضمانات للسقف الذي تشترطه إسرائيل لما يمكن أن يصدر عن المؤتمر. وتقديم تبريرات لغيابها الشكلي.
في هذا السياق، كشف وزير الخارجية الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان لموقع "يديعوت احرونوت" الالكتروني، عن وجود "تفاهمات بين اسرائيل والولايات المتحدة حول شروط إعادة إعمار غزة، وأن الإعمار مستحيل من دون مشاركة إسرائيل فيه". وأضاف ليبرمان أن النقاط الاساسية بالنسبة إلى إسرائيل هي «أننا معنيون بالتأكيد بالإعمار المدني لغزة»، لافتا إلى أن إسرائيل تريد التحدث عن «نظام مراقبة، حول كيفية عبور المواد والأموال. وما من مطالب أميركية، بل هناك تفاهمات بيننا».
ونفى ليبرمان ألا تكون اسرائيل مشاركة في المؤتمر، مشيرا إلى أنه «لا يمكن إعمار غزة من دون مشاركة وتعاون إسرائيليين، لكننا نفهم القيود لدى الدول العربية. وفي جميع الأحوال سنحاول أن نكون ايجابيين بكل ما يتعلق بالبنى التحتية المدنية والإعمار المدني». وتابع أيضاً: أنّ «العتاد سيمر عن طريق حواجزنا الحدودية. وواضح للجميع أنه من دون تعاون إسرائيلي يستحيل التقدم». وفي ما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، أعرب ليبرمان عن أن «ترميم البنى التحتية المدنية أمر إيجابي بالتأكيد»، متجاوزا الحديث عن فك الحصار بالمعنى الدقيق للكلمة.
أمّا في ما يتعلق بجانب من النتائج السياسية للحرب على القطاع، الذي تمثل بعودة السلطة الفلسطينية إليه، فأوضح ليبرمان أن الأفضل، بالطبع بالنسبة إلى إسرائيل، هو أن «تحكم السلطة الفلسطينية قطاع غزة. ولا شك في أنّ هذا أفضل من حماس. والأيام ستقول ما إذا كانت سيطرة السلطة قوية أو رمزية. ولا أرى أنه توجد رغبة حقيقية لدى حماس بالتعاون مع ذلك".
ولجهة أن يكون مؤتمر إعادة الإعمار، وعودة السلطة الى القطاع، مدخلين لاستئناف المفاوضات، رأى ليبرمان أن «العالم مشغول الآن بأمرين، هما مرض الإيبولا ومحاربة "داعش"، مشيراً إلى أن "أي خطوة فلسطينية أحادية الجانب لن تنجح"، وأن استئناف المفاوضات يجب أن يتناول المطالب الأمنية الإسرائيلية.
وبشأن تبرير غياب إسرائيل، نقلت صحيفة هآرتس عن موظف رفيع المستوى قوله: إنّه منذ عدة أسابيع بدأ مكتب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بإرسال رسائل إلى حكومة إسرائيل، بقنوات مباشرة وغير مباشرة، مفادها بأنّ مصر لا تعتزم دعوة إسرائيل إلى المؤتمر، المتوقع أن يشارك فيه/ حتى الآن، 30 وزير خارجية. وأن المطلوب من اسرائيل أن «تبدي تفهمها لعدم دعوتها » والسبب، بحسب ما نقلته "هآرتس" عن الموظف، أنه إذا شاركت إسرائيل فإن دولاً كثيرة، وخاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة، ستمتنع عن المشاركة فيه، كما أوضح المصريون لإسرائيل أن التمويل الأساسي لإعمار غزة سيكون بأموال من دول الخليج، لا من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، ولذلك فإن مشاركة إسرائيل من شأنها أن تؤدي إلى فشل المؤتمر. وذكر الموظف الإسرائيلي "أنه جرت في إسرائيل عدة مداولات حول مسألة المشاركة في المؤتمر، وما إذا كان يتعين على إسرائيل الإصرار على ذلك وممارسة ضغوط على مصر لتدعوها إلى المشاركة". وأضاف "إنّ موقف وزارة الخارجية الإسرائيلية كان يؤكد على أن تصر إسرائيل على المشاركة، مشيرة إلى أن التغيب عنه سيوحي للمجتمع الدولي بأن إسرائيل توافق على مقاطعتها والتمييز ضدها"، لكن الموظف لفت إلى أن نتنياهو ومستشاريه كان موقفهم الاستجابة لطلب مصر، ومرّروا رسائل اليها، مفادها بأن عدم دعوة إسرائيل للمؤتمر لن يثير غضبها. وأضاف: إن "فحوى رسالة مكتب نتنياهو للمصريين كان أنّ إسرائيل تفهم وضعهم الحسّاس، ولن تمارس ضغوطا عليهم من أجل دعوتها".
من جهة أخرى، ذكرت هآرتس أن حزب العمل يحاول مع حزب العمال البريطاني إقناع نواب الأخير في البرلمان بعدم التصويت أو الامتناع عن التصويت، اليوم، على مشروع قرار في البرلمان للاعتراف بفلسطين كدولة. وبرغم أن قراراً كهذا، إذا وافق عليه البرلمان، لن يكون ملزماً للحكومة البريطانية، إلا أن إسرائيل ترى أنه ينطوي على أهمية رمزية. وعقبت رئيسة حزب ميرتس، زهافا غلاؤون، بالقول إن "حزب العمل يتصرف كوزارة خارجية ثانية لدى نتنياهو، وبمثابة عضو تابع للائتلاف الحكومي في المعارضة".