يبلغ عدد الجمعيات العاملة في الوسط الفلسطيني قرابة المئة جمعية، ميزانيات معظمها تأتي من الخارج، وتكون تلك الميزانية بالدولار الأميركي، وغالباً ما تتجاوز الخمسين ألف دولار سنوياً.


هنا ستسألونني إذا لِمَ وضع المخيمات بهذا السوء؛ ساعتها سأقول لكم: لهذا أكره الجمعيات كثيراً!
ورثت الجمعيات "الخيرية" التنظيمات السياسية الفلسطينية، ورثتها بكل ما للكلمة من معنى، فالقيادات المطرودة من أحزابها، أو التي لم تجد لها مكاناً أبداً في الحياة السياسية الفلسطينية، وجدت ملاذها الآمن في هذا النوع من الأعمال، حافظ معظمهم على "شعاراتهم" وكلماتهم الرنانة، وأسلوب عملهم السلطوي المتخلّف. لكن هذه المرّة تحولوا من مشاريع "للتحرير والتحرر" إلى مشاريع "ربحٍ ماديٍ بحت" وبشكلٍ علني مباشر. كيف يربحون؟ الأمر بسيطٌ للغاية: يقدمون مشاريع كبيرة لتصحيح وضع المخيّم وسكانه إلى جهاتٍ مانحة، تدفع الجهات المانحة المال: لا يفعلون بعدها شيئاً سوى صرف المال على أنفسهم وأولادهم ومن حولهم ثم ينتهي الأمر بكل بساطة!
ستسألون هنا: ألا تراقب هذه الجمعيات المانحة أين تصرف أموالها؟ بلى، انها تراقب وعلى نحو فعلي، وحتى شهري أحياناً؛ لكن هذا ما يحدث فعلياً: يقدم صاحب الجمعية ورئيسها الأبدي الأزلي إلى الجهة المانحة أن لديه في المؤسسة قرابة الخمسين موظفاً، فيما معظم هؤلاء العاملين في المؤسسة يكونون من المتطوعين أو من أقارب هذا الشخص، أو حتى ربما يكونون مجرد أسماءٍ وهمية في الكشوفات، وفي حال طلبهم يأتون ليأخذوا صوراً أمام وفد الجهة المانحة. يقدّم صاحب الجمعية لائحةً بمرتبات "خيالية" للجهات المانحة (قرابة الـ1000 دولار للموظف الواحد) فيما أنه ما من جمعية في المخيّم تقدّم راتباً إلى موظف يتعدى "300 دولار" أميركي. يقدّم صاحب الجمعية للجهة المانحة رسالة مفادها بأنه يحتاج إلى موظفين على "دوامين" لأن موظفيه أنفسهم لا يستطيعون تلبية حاجات المؤسسة المستمرة، وهو أمر كاذب مئة بالمئة، فلا المؤسسة تحتاج، وإذا احتاجت يجبر الموظفون أنفسهم (ذوو مرتبات 300 دولار) على العمل ساعاتٍ اضافية دون أي بدل. يشير صاحب المؤسسة –وهنا النقطة الأهم حيث كل الجمعيات تقوم بهذه الخدعة حرفياً- إلى أن المخيم بحاجة إلى "مكتبة عامة" (كتب وقصص وروايات ومجلات وسواها مع قاعة للمطالعة بالتأكيد)، وإلى أجهزة كمبيوتر وانترنت. يمثل هذان الطلبان أساس عمل الجمعيات حرفياً، حيث لا تخلو أي جمعيةٍ عاملةٍ في الوسط الفلسطيني من هاتين "الخدعتين" لكن مع هذا قلةٌ في المخيّم تقرأ، وقلة تستعمل أجهزة الكمبيوتر التي تقدّمها الجمعيات! (حتى وصل الحديث بين الناس بأن بعض الجمعيات أقدمت على تأجير أجهزة كمبيوترها لمحلات ألعاب المشاركة الإلكترونية).
إذاً يجد الأوروبي فجأة نفسه أمام جمعياتٍ "بريئةٍ" على نحو كامل، تقوم بكل ما في وسعها في سبيل تحقيق "الخير" للمخيم، لكن ماذا تفعل إذا كان "اهل المخيّم لا يريدون ذلك"، هذه أيضاً هي من أشهر الخداع التي يستعملها أصحاب الجمعيات أنفسهم لسحب المزيد من المال وكشماعةٍ لتعليق كل "الفساد" المستشري في جمعياتهم. سيخبرون مموليهم أنّهم يفعلون كل ما يستطيعونه، ولكن الشباب لا يحبون القراءة، ولا يهوون الكمبيوتر، ولا يحبون المشاركة في الاجتماعات والاستعدادات، لكن الجميع في المخيّم يعرف تماماً أنهم يكذبون وأنّه لا يمكن أبداً للشباب أن يدخلوا هذه الجمعيات لأنّهم ساعتها سيستغلون وعلى نحو دائم، ودون أي مقابل!
لهذا كله أنا لا أحب الجمعيات، لا أحبها أبداً، هل يقدرُ أحدٌ أن يلومني؟