تمضي تركيا في أجندتها الخاصة حتى النهاية في ما يتعلق بدورها من الأزمة السورية، وهي تحاول لذلك، توظيف التكتل الدولي المستجد لخدمة مكاسبها. وليس خافياً أن هناك مشكلة جدية بين أنقرة وبقية الدول في «التحالف» لناحية الرؤية والأهداف. على سبيل المثال، صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية رأت أن الفجوة بين الجهتين تُختصر في الاختلاف على ترتيب الأولويات: «أنقرة تريد أولاً إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، فيما تريد دول التحالف الحدّ من خطر داعش».


أما صحيفة «ذا تلغراف» البريطانية فرأت أن تردد أنقرة حيال الاقدام في عملية عسكرية ضد التنظيم، يكمن في كون المشكلة بالنسبة إلى حلفاء تركيا في «شمال الأطلسي» هي «داعش»، وأن هؤلاء يرون في تسليح الأكراد جزءا من الحلّ. أما بالنسبة لتركيا، فإن الطموح الكردي في الاستقلال يبقى «التهديد المميت».
وانطلاقاً من هنا، أعادت أنقرة إلى الواجهة مطلبها إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري. وهذا الطرح ليس جديداً، إذ طالبت المعارضة السورية به منذ أواخر 2011، حين أطلق البعض في الثاني من كانون الأول من ذلك العام اسم «جمعة المنطقة العازلة» على تظاهرة ضد النظام.
المنطقة العازلة في الأساس «تفصل بين طرفي نزاع وتقيم مساحة تحظر فيها الأسلحة»، وهي مساحة برية قد تترافق مع أخرى جوية يمكن أن تكون أوسع. وفيما اقترحت المعارضة آنذاك أن تمتد المنطقة بعمق 20 كلم داخل الأراضي السورية، شاملةً جزءاً من حلب وأجزاء من ريف إدلب حتى جسر الشغور وأريحا، يؤكد بعض الخبراء العسكريين أن عمقها يجب أن يصل إلى 40 كلم، على أن تشمل ضريح سليمان شاه في منبج (ريف حلب الشرقي).
حتى الأمس القريب، كان الموقف الدولي غير متجاوب مع طلب أنقرة، لكون إنشاء منطقة عازلة ليس «على جدول أعمال الدول الأخرى المنضوية في التحالف». ما عاد وأكده الأمين العام لحلف «شمال الأطلسي» ينس ستولتنبرغ من أنقرة أول من أمس. كذلك، فإن إقامة هذه المنطقة في الشمال السوري تحتّم دعماً بريّاً من القوات التركية. وهذه الخطوات تتطلب إذناً من مجلس الأمن، ما كان مستبعداً من الطرح بقوة حتى الأيام القليلة الماضية.
غير أن التصريحات الغربية الأخيرة كشفت عن تضارب في وجهات النظر إزاء إنشاء هذه المنطقة. ورغم أن الوجهة العامة للغرب لا تزال بعيدة عن تأييد هذا الطرح، صدر تأييد عن الرئاسة الفرنسية لإقامة المنطقة العازلة «لاستقبال النازحين»، كذلك أبدى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، للمرة الأولى قبل يومين، «استعداد واشنطن وأنقرة للبحث في إقامة منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسوريا»، مؤكداً أنه «لا يستبعدها». في المقابل، قال نائب مستشارة الأمن القومي الأميركية توني بلينكن إن الاقتراح التركي «لم يأتِ بفكرة جديدة وليس في دائرة الاهتمام». وكانت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين باسكي قذ أشارت إلى أن هذه المسألة ليست بالأمر السهل.
ويربط محللون التحفظ الأميركي بعدم رغبة إدارة الرئيس باراك أوباما في مواجهةٍ مع النظام السوري. في هذا السياق، قال الخبير الأمني في معهد «واشنطن» للأبحاث جيفري وايت: «إن أقامت أميركا منطقة عازلة فينبغي لها حمايتها، كما تحتاج تلك المنطقة إلى حماية على الصعيد العسكري، إذا ما وقع هجوم من النظام السوري أو تنظيم داعش، وهذا ليس الوضع الذي تريده إدارة أوباما». أما الخبيرة في برنامج الأمن الدولي في مؤسسة «نيو أميركا» ليلى هلال، فرأت أن أحد العوامل المهمة والأساسية، وراء وقوف الولايات المتحدة ضد إقامة منطقة عازلة، هو خطر اضطرار أميركا وقوات «التحالف» للقتال ضد النظام السوري، أو إدخال الأخير في «التحالف الدولي» ضد «داعش».
وفي جميع الحالات، فإن فرضية ذهاب الغرب في اتجاه المنطقة العازلة سيصطدم بمعوقات عدة. أبرزها، أن فرض هذه المنطقة يجب أن يجري في مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وفي حال موافقة واشنطن والغرب على الوصول إلى هذه المرحلة، فسيصطدمون بالفيتو الروسي والصيني، حيث تخشى واشنطن سحب تلك الدولتين دعمهما للضربات الجوية لـ «التحالف» ضد «داعش». كذلك، فإن احتمال تجاوز القوانين الدولية في هذا المجال، وفرض المنطقة بالقوة، غير وارد حالياً، وخصوصاً بعد التحذير الذي وجهته طهران لـ «التحالف الدولي» من «عواقب وخيمة في حال قيامه بعمل خبيث»، ولأنقرة من القيام بأي عمل عسكري بري في سوريا، الأمر الذي من شأنه أن يلجم أي ميل غربي محتمل لتحقيق المنطقة العازلة. حتى إن الحكومة العراقية المؤيدة لضربات «التحالف» ضد «داعش» على الأراضي السورية، أعلنت معارضتها لأي عمل يستهدف الجيش السوري.
التركيز بهذه الصورة على إنشاء المنطقة العازلة في الشمال السوري في الآونة الأخيرة، يعيد إلى الأذهان الخرائط التي غزت الصحف والمواقع الالكترونية عن الشكل الذي ستكون عليه المنطقة قريباً. إحدى تلك الخرائط، نشرتها مدونة «Dvar Dea» الإسرائيلية في كانون الثاني 2012، «تنبّأت» بواسطتها بشكل سوريا بحلول عام 2016، تُظهر ضمّ تركيا المنطقة الشمالية السورية الممتدة من شمال اللاذقية مروراً بالريف الجنوبي لكلٍّ من إدلب وحلب والرقة. واللافت أنها ذُيّلت بملاحظةٍ مفادها بأن هذه الخريطة قد تتحقق بحلول 2014.
(الأخبار، الأناضول)