لا يعني الحديث الاعلامي الاسرائيلي عن تبني حكومة بنيامين نتنياهو لإدارة الصراع مع الفلسطينيين، بدلا من حله، اننا امام سياسة اسرائيلية جديدة. بل هو تعبير عن اداء تبلورت معالمه بصيغته الحالية منذ استنفاد الرهان على امكانية التوصل الى تسوية نهائية بين الطرفين. وبمفهوم أوسع، فإن ادارة الصراع هي سياسة اسرائيلية قديمة، واكبت كل المراحل التي عارضت فيها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة أي صيغة تسوية وافق عليها الفلسطينيون.


على ذلك، فإن تبدل المواقف السياسية لا يعني بالضرورة أن هناك تحولا جذريا يدفع الى البحث عن عنوان جديد لهذه السياسة، بعيدا عن «ادارة الصراع»، بل هي في الكثير من الاحيان، مصاديق متعددة للمبدأ نفسه، تفرضها التطورات، وخصوصاً أن هذه السياسة (ادارة الصراع) هي البديل الموضوعي الوحيد، امام اسرائيل، عن حل الصراع، وفي ظل تعذر حسمه، مع ما يعنيه مفهوم الحل من موافقة الطرفين عليه.
وفق هذا المفهوم، تصبح السياسة التي اتبعها ارييل شارون، الذي انسحب على نحو احادي من قطاع غزة، وايهود اولمرت، الذي فاوض حول قضايا الوضع النهائي، تجسيدا ما لسياسة ادرة الصراع، مع هامش من المرونة، تميز به كل منهما، بفعل الظروف السياسية والامنية.
لكن ما يميز نتنياهو أنه تجسيد صارخ وصلب لسياسة ادارة الصراع، بالرغم من اعلانه عن تبني مبدأ دولتين لشعبين عام 2009، إذ إن مواقفه السياسية وخطواته العملانية تكشف عن أن عنوان الدولتين، لم يكن سوى شعار جرى استخدامه لضرورات سياسية دولية، واخرى تتصل بالحاجة الى مد الطرف «الرسمي» الفلسطيني بما يجدد لديه الرهان على التسوية، بهدف التغطية على الاداء العملاني الاستيطاني، وتخليد الوضع القائم تحت عناوين ومبررات أمنية.
على خط مواز، وبالرغم من أن سماح حكومة نتنياهو للوفد الفلسطيني برئاسة رامي الحمدالله، بالعبور الى غزة عبر معبر بيت حانون، يتعارض مع رفض حكومة نتنياهو بشرعية حكومة الوحدة الفلسطينية منذ تشكيلها، واتخاذ قرار بمقاطعة وزرائها وادانتها في كافة انحاء العالم، يبقى السؤال الاساسي حول ما إن كان هذا التبدل هو تعبير عن فقدان حكومة نتنياهو لاستراتيجية محددة ازاء السلطة الفلسطينية، أم أنها تجسيد لمبدأ أن لكل مرحلة موقفها، بما لا يتعارض مع الوجهة الاسترتيجية الثابتة لحكومة نتنياهو التي تقوم على تخليد الوضع القائم.
حول ذلك، رأى المحلل السياسي في صحيفة «هآرتس»، باراك رابيد، أن مجيء رامي الحمدالله من رام الله الى القطاع، وعقد جلسة الحكومة في المقر المجهور للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ليس أقل من حدث تاريخي، حيث أنه للمرة الأولى منذ عام 2007 تعود السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة من البوابة الرئيسية. ورأى رابيد أن هذه الجلسة الاحتفالية أبرزت التناقض المسمى «سياسة الحكومة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين عامة، وحيال قطاع غزة خاصة»، وأبرزت الفجوة الكبيرة بين خطابات وتصريحات نتانياهو وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، وبين الواقع على الأرض، كما أبرزت غياب الاستراتيجية والانجرار الإسرائيلي وراء الخطوات التي يبادر إليها الفلسطينيون. واضاف رابيد أن حكومة نتنياهو تعيش في تناقض اذ تشتم في العلن حكومة الوحدة بينما تتعاون في الخفاء، وبهدوء، مع الحكومة ذاتها.
في ما يخص الاسباب التي دفعته الى هذا الخيار، يرى رابيد أن نتنياهو لم يكن امامه خيارات بديلة، اذ ان المجتمع الدولي يعترف بالحكومة الفلسطينية، ويرغب بنجاحها. ولا تستطيع اسرائيل حتى لو رغبت بذلك، مقاطعة حكومة الوحدة الفلسطينية أو منعها من القيام بدورها، كما أن حكومة نتنياهو تحرص على تطوير العلاقة مع مصر، وعلى ذلك فهي تستجيب لكافة مطالبها، والتي ستستضيف، الأسبوع المقبل، مؤتمر إعادة إعمار غزة، علما أن حكومة الوحدة الفلسطينية هي التي ستدير عملية إعادة الإعمار.
الى ذلك، يدرك نتنياهو ووزير الجيش، موشيه يعلون، أن دخول حكومة الوحدة الفلسطينية إلى قطاع غزة يعني موطئ قدم للسلطة الفلسطينية في القطاع. وتعترف إسرائيل أن في ذلك مصلحة إسرائيلية أمنية وسياسية، حيث صرح مسؤول إسرائيلي كبير بأن «إسرائيل تريد أن تعود السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، حتى لو أطلق على ذلك حكومة مصالحة أو حكومة وحدة».
وخلص رابيد الى القول أنه «ربما كانت ستبدو الأمور مغايرة لو كانت هناك سياسة واضحة، ومرونة وإبداع دبلوماسييين أكثر، واعتبارات سياسية داخلية أقل».
من جهة اخرى، رأى المعلق الامني في موقع «واي نت» العبري، رون بن يشاي، أنه في مقابل الضغوط الاميركية والاوروبية التي تواجهها اسرائيل، على خلفية رفض قيام دولة فلسطينية واستمرار توسيع الاستيطان على نحو مكثف، وضعت حكومة نتنياهو في الاونة الاخيرة استراتيجية تتلخص بأنه في السنوات المقبلة ستركز إسرائيل في علاقاتها مع الفلسطينيين على «إدارة الصراع»، ليمثل ذلك بديلا لقيام دولة فلسطينية. وجرى تكليف جهاز الأمن، الجيش والشاباك ووزارة الأمن نفسها، تنفيذ هذه الاستراتيجية.
في ما يتعلق بالسياقات التي املت هذه السياسة، نقل بن يشاي عن مسؤول سياسي – أمني إسرائيلي قوله إنه في هذه الفترة، فيما يسود انعدام استقرار في المنطقة، يقولون في إسرائيل إنه «يستحيل دراسة تسليم معظم الضفة الغربية إلى سيادة فلسطينية كاملة، حتى لو بقيت هذه المنطقة منزوعة السلاح. فهذا سيكون انتحارا من الناحية الأمنية». ورأى ايضا، أن استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين «سيؤدي بكل تأكيد إلى جمود أو انفجار الوضع وقد يشعل الشارع الفلسطيني. كذلك فإن ثمة شكاً فيما إذا كانت الدول العربية المعتدلة بحاجة لمحفز فلسطيني من أجل محاربة الإسلام الجهادي الذي يمثل خطرا على أنظمتها».
وبرر المسؤول ايضا، المواقف الاسرائيلية، بالقول أن «حماس» ستستولي على الضفة وستطلق الصواريخ باتجاه وسط إسرائيل وخاصة على مطار اللد. وقال إنه «ينبغي السعي إلى "إدارة الصراع" إلى حين استقرار الشرق الأوسط وتخبو موجة الإسلام المتطرف».
وأضاف أن إسرائيل ستتعامل الآن مع الضفة وغزة على نحو مشابه، ونتيجة ذلك، «أزالت معارضتها للمصالحة الداخلية الفلسطينية ولحكومة الوحدة»، موضحا أن إسرائيل تضررت من حصار غزة أكثر مما استفادت منه لأن سكان القطاع أيدوا فصائل المقاومة بسبب معاناتهم من الحصار. ولفت ايضا الى ان اسرائيل ستساعد بكل قدرتها على ترميم قطاع غزة واقتصادها بهدف ايجاد حافز لدى السكان الفلسطينيين لمطالبة «حماس» بعدم جرهم الى حرب تدميرية اخرى.
وذكر بن يشاي أن إسرائيل تعتزم تنفيذ هذه الاستراتيجية من خلال تنسيق «إدارة الصراع» بين الجهات التالية: منسق أعمال حكومة الاحتلال الإسرائيلية، يوءاف مردخاي؛ رئيس حكومة الوفاق الفلسطينية، رامي الحمد الله؛ مبعوث الأمم المتحدة، روبرت سري. وأضاف المحلل أن وضع الاستراتيجية الجديدة أصبح ممكنا في أعقاب «المحادثات الحميمية والتنسيق غير المسبوق الحاصل بين إسرائيل ومصر. كذلك يشارك في عمليات التنسيق هذه رئيس الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الأمن الإسرائيلية، عاموس غلعاد".
وعلى أثر ذلك ستسمح إسرائيل بإدخال مواد إلى القطاع لتنفيذ أعمال إعمار غزة، ولكن هذا سيخضع للمراقبة وخاصة الإسرائيلية.