ما بعد الصهيونية، وما بعد بعد الصهيونية. الظاهرة الاسرائيلية القديمة تجددت. لكن هذه المرة على خلفية اقتصادية واجتماعية: الاسرائيليون على أبواب السفارات يطلبون الهجرة لـ«العيش بكرامة»، بعيداً عن غلاء المعيشة وتردّي الاوضاع الاقتصادية في إسرائيل.


الظاهرة الاسرائيلية الجديدة، التي تتسع وتتمدد يوماً بعد يوم، هي استئناف لموجة احتجاجات مطلبية كبرى على خلفية اجتماعية واقتصادية، ضربت إسرائيل عام 2011، إلا أن الحكومة الاسرائيلية في حينه استطاعت استيعابها وتمييعها. الآن، بعد أقل من ثلاثة أعوام، عادت الظاهرة بقوة وبحلة جديدة: الطلب من الاسرائيليين التخلي عن وجودهم في فلسطين المحتلة، والتوجه الى أوروبا وأميركا للاستيطان بعيداً عن الصهيونية والصهاينة.
الحملة الاسرائيلية الجديدة بدأت بشكل عفوي، إلا أنها اتسعت لاحقاً، وباتت منظمة جداً. أداة تحريك الاحتجاجات هي مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت. بدأها اسرائيليون موجودون في العاصمة الالمانية، أنشأوا صفحتين على موقع «فايسبوك» انتشرتا سريعاً بين الاسرائيليين: «مسافرون الى برلين»، و«فاتورة مشتريات من سوبر ماركت ألماني». ونُشرت في الصفحتين مقارنة بين الاسعار وفرص العمل وظروف المعيشة الرخيصة في برلين قياساً بالمدن الاسرائيلية، وتطورت الظاهرة لاحقاً الى دعوة هجرة الى ألمانيا، ومن ثم الى أوروبا.
ويقول منظمو الحملة الاحتجاجية الجديدة، التي باتت تعرف «باحتجاجات برلين»، إنهم تلقّوا أكثر من 9300 طلب هجرة الى برلين، دفعهتم الى التوجه الى الحكومة الالمانية، وتحديداً المستشارة أنجيلا ميركل، بطلب الحصول على الآلاف من تأشيرات العمل. وبحسب أحد المبادرين الى الحملة، في حديث مع القناة الثانية العبرية: طلبنا في هذه المرحلة تأمين 25 ألف تأشيرة عمل مؤقتة لمدة 3 سنوات، بحسب القوانين والاجراءات المعمول بها في ألمانيا»، وأضاف أن «هناك توجهاً أيضاً لدى الحكومة الاسبانية كي تسرّع إجراءات استرداد الجنسية لليهود السفارديم، المنحدرين من يهود إسبان، وعددهم يقدر بأكثر من ثلاثة ملايين إسرائيلي».
وعبّر المبادرون إلى الحملة عن أملهم بأن تتسع الظاهرة، ولا تقتصر على طلب الهجرة الى برلين وحسب، بل تتمدد الى مدن أخرى حول العالم. ويطالب المبادرون بالعمل على تنظيم مجموعات إسرائيلية أخرى تدعو وتنظم الهجرة الى نيويورك ولندن وواشنطن وميامي ولوس أنجلس وبراغ وكوستاريكا وروما، بل و«أي بلد بالإمكان العيش فيه من الناحية الاقتصادية».
وأشار منظمو الحملة الى أن مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية في إسرائيل تتوجه اليهم وتسجل أسماءها لتسهيل إجراءات الهجرة الى الخارج، و«منهم شبان وطلاب جامعيون ومهندسون وحاضنات أطفال وعناصر في الاجهزة الامنية وضباط في الجيش..، وكلهم يتوقون للخروج الى أي مكان يكون بإمكانهم شراء منزل أو الدخول الى المتاجر لشراء حاجياتهم من دون أن تثقل الاسعار كواهلهم».
ورداً على هذه الظاهرة، أعرب وزير المالية الاسرائيلي، يائير لبيد، عن تفهمه للعبء الاقتصادي الملقى على عاتق الاسرائيليين، وأقرّ بأن «الوضع لا يطاق، لكن الجميع هنا يعمل على إصلاح هذه الكارثة»، وعاد وجدد وعده بإدخال المزيد من السلع الاساسية ضمن سلة التخفيضات الضريبية والعمل على حل أزمة السكن المتفاقمة.
مع ذلك، شنّ لبيد حملة ضد منظمي الاحتجاجات، وقال في حديث إلى القناة الثانية، إن «هؤلاء الاشخاص لا يتحركون على خلفية اقتصادية واجتماعية، بل لديهم جدول أعمال آخر خاص بهم»، وأضاف «كان هناك دائماً من هم أعداء للصهيونية، وكان هناك دائماً من يعمل لمرحلة ما بعد الصهيونية، وهؤلاء الاشخاص هم معادون للصهيونية». وتوجه في حديثه إلى أصحاب الحملة قائلاً: «أنتم مخطئون، فلو كانت الصهيونية تعمل فقط على تخفيض الاسعار، لما كان هناك دولة لشعب إسرائيل».
وكانت صحيفة «دير شبيغل» توسعت في تغطية «الظاهرة» الاسرائيلية أمس، ونشرت تحقيقاً طويلاً حولها تحت عنوان «حلوى البودينغ تدفع الى الهجرة» من إسرائيل، عرضت فيه للظاهرة وأسبابها وردود الفعل عليها. ومن بين التعليقات التي وردت على صفحات «فايسبوك»، التي أعادت الصحيفة نشرها، تعليق لأحد الاسرائيليين يعلل فيه نية الهجرة لديه: «رئيس حكومتنا، بنيامين نتنياهو، يتحدث دائماً عن التهديد الايراني وتهديد الصواريخ، لكن أبداً لا يتحدث عن غلاء الاسعار، وعن كلفة العيش في إسرائيل».