رام الله | في اليوم الأخير من الشهر الماضي كانت بلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى في القدس المحتلة، على موعد مع هجمة استيطانية «بصفة قانونية» نعتها وزير الاقتصاد الإسرائيلي نفتالي بينت بـ«الإنجاز التاريخي»، وانتهت بـ«الاستيلاء» على 26 شقة سكنية موّزعة على ثمانية مبانٍ في البلدة.


ورغم أن المستوطنين دخلوا تلك الشقق التي كانت فارغة على أنهم «ملّاكها»، فقد رافقتهم شرطة الاحتلال في عدة أحياء داخل سلوان، وجرت إثر ذلك مواجهات مع شبان مقدسيين.
«تسريب الشقق» يحدث لأول مرة بهذا الحجم، ما دفع المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، إلى وصفه بـ«العدوان الإسرائيلي السافر»، لكن لم يكن خيار «أمام الرئيس محمود عباس سوى التوجه إلى المنظمات الدولية».
تساءل المقدسيون في سلوان: من باع، ومن اشترى؟ ومتى جرى ذلك، وكيف وصلت الشقق إلى أيدي المستوطنين؟ في الإجابات بدأت الاتهامات ببيع المنازل وتسريبها تتراوح بين أشخاص في «سلوان» وآخرين في الداخل الفلسطيني، والاسم البارز كان فريد الحاج يحيى من بلدة الطيّبة.
كل ما يعرفه الذين شهدوا الحادثة أنهم فوجئوا بالمستوطنين يطوّقون المكان ويدخلون إلى الشقق. من هؤلاء إلياس الكركي (62 عاماً) الذي يقول إن لديه أوراقًاً تُثبت أن ابنه، نبيل، باع قبل سبعة أشهر منزلاً في حارة بيضون لفلسطيني من الداخل المحتل يُدعى فريد الحاج يحيى، لافتاً إلى أن إجراءات البيع انتهت قبل ثلاثة أشهر مع استيفاء كامل مستحقات المنزل. ويتخوف الكركي من أن حياة عائلته ستتحول إلى «جحيم» بعد دخول المستوطنين إلى المنازل القريبة منهم.
أما أشرف سرحان الذي تملك عائلته مبنىً مكوناً من خمسة طوابق، فقال إن والده باع منذ عامين منزلاً لشخص من عائلة أبو صبيح «شرط أن يكون للطرف الأول أحقية الشراء إن أراد الطرف الثاني البيع لاحقاً»، لكنه أيضاً فوجئ بأن المشتري هم «المستوطنون». ووفق تقرير أورده مركز معلوماتي في القدس، فإن المواطن هاني العباسي باع منزله لشخصٍ يدعى يوسف زواهرة، والأخير أجرى عليه بعض الإضافات ثم غادره قبل ساعات من مجيء المستوطنين.
«الأخبار» تواصلت مع مدير مركز «معلومات وادي عين حلوة» في سلوان، جواد صيام، الذي أكد أنه لا توجد «عملية بيع مباشر للمستوطنين»، مقدراً أن يكون تسريب الشقق جرى عبر شركة أميركية وهمية تدعى «كندل فاننس»، أو عبر «شخصيّات اختبأت خلف مشاريع خيرية». لكن المتخصص في شؤون الاستيطان والخرائط في القدس، خليل التفكجي، أكد أن المنازل تم بيعها فعلاً، «ومن يقل غير ذلك فليأتِ بما يُفنّد الوثائق التي في حوزتي وفيها إثبات أن مواطنين باعوا شققهم».
وبالترافق مع «الضجة الإعلامية» التي رافقت حادثة الاستيلاء، جرى اتهام الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة بأن أحد كوادرها هو الذي كان «الوسيط» لبيع الشقق للمستوطنين، لكن الحركة الإسلامية (الفرع الشمالي) أصدرت بيانًا أكدت فيه أن «القدس أمانة» وأن «فريد الحاج يحيى» لم يكن في أيِّ يوم من الأيام عضواً في الحركة ولم يشغل أي منصبٍ فيها.
في المقابل، صدر بيان آخر للحركة الإسلامية (الفرع الجنوبي) وصف تسريب بيوت سلوان بأنه «جريمة نكراء وخيانة لله والوطن»، ملمّحاً في الوقت نفسه إلى أن
«الحاج يحيى» جرى إنهاء عمله من جمعية الأقصى، التابعة لها، عام 2010، كما «أبلغت الجهات الخيرية برسائل رسمية بهذا الخصوص آنذاك».
المتهم نفسه، الحاج يحيى، سارع إلى إجراء مقابلات صحافية نفى فيها صحة ما نسب إليه، وقال إن الموضوع «جرى تهويله بطريقة لا تطاق»، مؤكداً استعداده للذهاب إلى رام الله ليُقتل هُناك بتهمة الخيانة إذا ثبت «تسريب شبر من أرض فلسطين إلى أي إسرائيلي». وأوضح أنه اشترى عقاراً في سلوان «لمنع نزف الدماء (قضية ثأر) بين عائلات صبيح واليماني والكركي». واعترف في الوقت نفسه بأن وثيقة البيع التي تحدث عنها المواطن الكركي عن بيع شقة ابنه نبيل صحيحة، «لكنني بعت البيت لشخص موثوق من أم الفحم»، مستدركاً: «على اعتبار أني بعت هذا المنزل للمستوطنين، فالمنازل الأخرى من باعها؟».
خليل التفكجي عاد ليقدّر أن إسرائيل تركّز هجمتها الاستيطانية على بلدة سلوان في محاولة لقلب الميزان الديموغرافي وحسم موضوع «الحوض المقدّس» نهائياً، «لأن البلدة هي الحاضنة الجنوبية للأقصى». وتدّعي إسرائيل أن التاريخ اليهودي بدأ قبل ثلاثة آلاف عام مما تُطلق عليه مسمى «مدينة داوود» في سلوان.
ووفق المعلومات، يبلغ عدد التجمعات الاستيطانية في سلوان حتى اللحظة 27 تجمعاً تضم نحو 88 وحدة سكنية، وقد استولت عليها الجمعيات الاستيطانية إمّا بدعوة أنها أملاك يهودية، أو بمصادرتها بذريعة أنها أملاك غائبين، وأيضاً عبر البيع كما حدث أخيراً أو تزوير الوثائق، ويمكن استخدام حجج وذرائع أمنيّة للغرض نفسه.
مقابل ذلك، يرى جواد صيام أن العقود التي أبرمها «من غُرّر بهم» يمكن إبطال غالبيتها في المحاكم»، وهو ما يؤكده المحامي محمد دحلة الذي أكد أنه تم سابقاً إلغاء عدد من الصفقات وكانت خلفها جمعية «إلعاد» الاستيطانية. ويشرح دحلة أن المنفذ القانوني لذلك أن العقود نفسها لا تصح «لأنه يبيع أحياناً من ليس له حق بالبيع، أو يكون العقار مملوكاً بالمشاع، والحصص المبيعة غير محددة بين المالكين»، إضافةً إلى أنه في بعض الحالات هناك «حق شفعة» للآخرين، خاصة من لهم الأولوية بشراء العقار كالجيران أو من تعنيهم «دواعي الخصوصية».
في سبيل ذلك، ذكر صيام أنهم طرحوا عدّة مشاريع على المؤسسات والجهات الرسمية الفلسطينية للتعاون مع رجال أعمال وتشجيعهم على شراء عقارات في القدس والاستثمار فيها، مضيفًاً: «توجهنا إلى رجل الأعمال الشهير منيب المصري منذ أكثر من 15 عاماً لشراء عقار في سلوان قبل تسريبه إلى المستوطنين، وجاءنا الرد من مكتبه أنه لا توجد جدوى اقتصادية للمشروع!»، علماً بأن موازنة الحكومة الفلسطينية لعام 2013 المخصصة لوزارة القدس كانت لا تتجاوز 50 مليون شيقل (نحو 13.5 مليون دولار).




130 دولاراً يومياً لمن يسكن في «بيوت سلوان»

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للمستوطنين إعلاناً يفيد بأن جمعية «إلعاد» الاستيطانية ستدفع يومياً مبلغ 500 شيقل (نحو 135 دولاراً أميركياً) لأي مستوطن يسكن البيوت التي استولى عليها المستوطنون في سلوان شرط» أن يجيد استخدام السلاح وإطلاق النار». وكتبت صحيفة «هآرتس» تقريراً بيّن أن نسبة المستوطنين في سلوان تصل إلى 3.5%، مقدرة أنها يمكن أن تصل إلى 18% من مجموع السكّان بعد الاستيلاء على الشقق السكنية أخيراً.
المتابع للشأن الإسرائيلي، محمد أبو علّان، رصد في حديث مع «الأخبار» ارتفاع موازنة دائرة الاستيطان خلال الشهرين الأخيرين من 54 مليون شيقل إلى 440 مليوناً، مقدّراً أنه ربما لهذا الارتفاع ارتباط بالحادثة الأخيرة. ولفت أبو علان إلى أهمية النظر إلى قول رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، الذي ادّعى فيه أن سلوان أرض إسرائيلية، وأنه لن يمنع أحداً من الإسرائيليين من أن يشتري وحدات سكنية في أيِّ مكان يريده.

(الأخبار)