يطوي «التحالف الدولي» المستجد الصفحة الرابعة من صفحات إنشائه وتثبيت ركائزه. فبعد «مؤتمر جدة» وجولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري الشرق أوسطية، فمؤتمر باريس، شكلت أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة والجلسة الاستثنائية لمجلس الأمن الدولي برئاسة الرئيس الأميركي باراك أوباما، آخر مشاهد تكوين هذا «التحالف»، الذي يصرّ المعنيون به على أن عمله يجب أن يستمر لسنوات.


كانت كلمة الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة، أول من أمس، أساسية في سياق تأمين الدعم والحشد، وأكد فيها أن هناك «موضوعاً واحداً يهدد بإطلاق دائرة صراع يمكن أن يخرج التقدم عن مساره، إنه سرطان التطرّف العنيف الذي اجتاح الكثير جداً من مناطق العالم الإسلامي»، مشيراً إلى أن «الجماعة الإرهابية المعروفة باسم داعش، يجب الحط من قدرتها وتدميرها في نهاية المطاف... وحتى الآن عرضت أكثر من أربعين دولة الانضمام إلى هذا التحالف».
فعلياً، لم يكن من الصعب على الإدارة الأميركية إنشاء هذا «التحالف» بالنظر إلى «التهديدات» المفروضة، لكن الأكيد، وهو ما بدا جلياً من مجمل الحراك الأميركي بين جدة والقاهرة وأنقرة، أن الصعوبات تكمن في إطلاق أعمال «التحالف» بسبب الانقسامات الإقليمية وعدم وضوح توزيع الأدوار بين تلك القوى. ويضاف إلى ذلك عقدة مركزية، وهي أن «المتحالفين» هم فعلياً في صدد تكوين أدوات جديدة الغرض منها توظيفها ضمن الصراع في سوريا، وعليها، وضمن الأزمة العراقية، الأمر الذي يعقّد ضبط الأهداف العامة لأي حراك ويظهّر بالتالي خلافات وتباينات الأطراف المشاركة. وعليه، فرض ذلك المشهد معادلة تؤكد أن ما يجري الإعداد له لا يشكل عملية واضحة الأهداف بل مساراً يحتاج إلى عدد من السنوات، هدفه الأول ضبط جموح القوى المتطرفة، وليس إنهاء دورها بشكل سريع.

يشبه الواقع العربي اليوم ما شهدناه إبان حرب الخليج الثانية


«التحالف» المستجد أنتج ريادة سعودية إقليمية، هدفت خصوصاً إلى تأمين شرعية عربية للعمل العسكري الأميركي بين العراق وسوريا. قبل أيام علّق دبلوماسي غربي على كلام وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بشأن استعداد قوى إقليمية، لم يسمها، للمشاركة في الحرب المزعومة ضد «داعش» بالقول إن «السعودية والإمارات مستعدان للمشاركة في الغارات. ما الذي يمكن أن تتمناه واشنطن أكثر من مشاركة السعودية ودول عربية أخرى؟»، في اختصار للمشهد العربي المزري.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، يوم أمس، تأكيد مسؤولين خليجيين وأميركيين أن كيري طلب من الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، خلال لقائهما في 11 أيلول الحالي في جدة، مساعدة تشمل شن غارات جوية، ليرد الملك عليه بالقول «سنوفر كل دعم تحتاجونه». ويضيف التقرير أن الرئيس الأميركي اشترط لتوجيه ضربات لسوريا مشاركة قوى إقليمية.
ووفقاً لتقرير، فإن إحدى المقايضات التي حصلت، أن السعودية نالت غايتها بشأن تدريب مقاتلين من «المعارضة السورية المعتدلة» على أرضها، وبمشاركة أميركية. وتأتي الترتيبات الأميركية ـ السعودية بعد نحو عام على تراجع إدارة أوباما عن توجيه ضربات لسوريا، وما نتج من ذلك من توتر في العلاقات بين الطرفين. وعليه كان الاتفاق الحالي يشمل ما هو أوسع، أي تحريك ملفات تدريب «المعارضة السورية المعتدلة».
دور آخر من المعروف أن السعوديين هم من سيقوده، وهو السعي إلى التأثير على القوى المحلية بين غرب العراق وسوريا لتوظيفها في المشاريع السياسية المستقبلية، وذلك بهدف الحد من التدخل العسكري المباشر، في خطوة تشبه تجربة «الصحوات» السابقة في العراق. اللافت هنا هو ما أشار إليه دبلوماسيون غربيون في الأيام الاخيرة بشأن الاجتماعات الدائرة في هذا الصدد بين العاصمة الأردنية عمان وأربيل، وذلك بعدما كانت مدينة إسطنبول محجة القوى «المعارضة» في السنوات الأخيرة، وفي ذلك دلالات كثيرة تشير إلى الخلافات بين السعودية وتركيا. أدوار تلعبها السعودية وتكتنفها متناقضات كثيرة وسط ضبابية أفق نظامها. واقع قد يسقطها في آخر حروبها بعد سنوات من السطوة والنفوذ.
عموماً، يشبه الواقع العربي اليوم ما شهدناه إبان حرب الخليج الثانية. مشهد سيكون من تداعياته إعادة رسم النفوذ، لتحاول الرياض اكتساب دور الشرطي الإقليمي، وهو دور كانت تفتقده حتى في أوج سطوة نفوذها.
على المقلب الآخر، أنقرة التي رفضت المشاركة بداية في «التحالف»، عادت في اليومين الماضيين لتبدل تدريجاً في موقفها، بعد «تحرير» مخطوفيها في العراق وتدخلها، غير المباشر، في إعادة صياغة مشهد النفوذ ضمن مساحة واسعة من الشمال السوري في الأيام الأخيرة، بشكل قد يسمح في الأيام المقبلة بالمطالبة العلنية بإقامة منطقة عازلة ستظهر ضمن مساحاتها. حتى وإن لم تنشأ صراعات النفوذ بين قوى «التحالف»، تحديداً بين السعودية من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى. وانطلاقاً من هنا، يجمع العديد من المراقبين على أن «التحالف» هش في بنيته، وأن المطلوب منه ما زال غامضاً، وهنا المكمن الذي تركز عليه القوى المواجهة لتدخل أرض «المعركة» عبره.
يضاف كذلك إلى جملة التناقضات بين قوى «التحالف»، ما لفت إليه مركز الدراسات «سوفان غروب»، الذي رأى أن كل الدول العربية في التحالف بعيدة عن امتلاك المصالح نفسها. وهكذا «فالمملكة السعودية ومصر ستسعيان لإدراج محاربة تنظيم الدولة الاسلامية في سياق حملة أوسع ضد الإخوان المسلمين (التي تستظل بقطر وتركيا)».
على الجانب العراقي، هناك ملفان سيحددان بدورهما مستقبل «التحالف»: مدى السماح للنفوذ السعودي بالظهور الفعلي والتمدد ضمن المحافظات الغربية، إضافة إلى معركة وشيكة ستبدأها قريباً القوى الغربية بمواجهة طهران لكسب التأثير في مفاصل الحكم في العراق، خصوصاً أن السلطات العراقية الجديدة لا تزال مواقفها إشكالية في عدد من المجالات، إضافة إلى أنه، على سبيل المثال، لم تستطع الحكومة العراقية بعد حسم هوية وزارتي الدفاع والداخلية، بسبب الاختلافات الداخلية وتناقضات التأثير الخارجي عليها.
في محصلة الأمر، بعد المشاركة العربية في الحرب الجديدة وخروج قوى خليجية على المشرق العربي للمرة الأولى منذ عقود سبقت عصر الدول الراهنة، فإن الخرق الوحيد الذي من المحتمل أن يحققه «التحالف» يكمن في دخول فرنسا وبريطانيا ضمن عديد القوى المشاركة في ضرب سوريا، التي تبقى والعراق، الضحيتين الوحيدتين، حتى يومنا، لأزمنة المتغيرات والحقائق الصارخة.