رغم أن الاغتيالات هي إحدى سمات السياسة الأمنية الإسرائيلية، فإن ذلك لا يلغي تمتع بعضها بخصوصية تميزها عن بعضها الآخر، ولا سيما لجهة الأهداف أو التوقيت وهوية المستهدفين. من هنا انطلق الاهتمام الإسرائيلي الإعلامي الاستثنائي بعملية الاغتيال التي نفذها جيش العدو، بالتنسيق مع جهاز «الشاباك» والقوات الخاصة «يمام»، ضد المقاوميْن، مروان القواسمي وعامر أبو عيشة في الخليل يوم أمس، وهما المتهمان بأسر المستوطنين الثلاثة وقتلهم خلال شهر حزيران الماضي.


واستغلت إسرائيل آنذاك عملية الأسر في سياقات سياسية وأمنية بعيدة عن طبيعة العملية نفسها، فوجهت ضربة قاسية إلى البنية التحتية للمقاومة في الضفة المحتلة، وحاولت تطويق وإسقاط حكومة التوافق الفلسطينية بين حركتي «فتح» و«حماس». لكن ما ميّز هذه العملية أنها حُفرت عميقاً في الوعي الإسرائيلي، وشكلت رسالة مدوية لجميع الأطراف مفادها أن الشعب الفلسطيني لن يألو جهداً في السعي إلى تحرير أسراه ومعتقليه في السجون الإسرائيلية. بناءً على ذلك، ما جعل المقاومَين الشهيدين على المهداف الإسرائيلي وضرورة استهدافهم في أي زمان ومكان فكرة نابعة من منظور ردعي إسرائيلي، ليس فقط لكونهما من المقاومين، بل لأنهما متهمان بتنفيذ عملية نوعية كان لها وقع الصدمة على المؤسسة الإسرائيلية بكل فروعها الأمنية والسياسية والعسكرية، فضلاً عن الجمهور الإسرائيلي نفسه.
واليوم تتجلى حاجة رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، إلى هذا «الإنجاز» الأمني والعملاني، وخاصة في السياق السياسي الداخلي. فعلى ضوء التجاذبات الداخلية التي احتدمت داخل معسكر اليمين بعد العدوان على غزة والخاتمة التي انتهى إليها، يحاول منافسو نتنياهو تقديمه على أنه زعيم متردد وغير حاسم. في المقابل، يحاول هو، مع هذه العملية، أن يسجل نقاطاً في سجله «العدواني» تجاه الفلسطينيين، وتقديم نفسه على أنه الزعيم الذي لا يتهاون في ما يتعلق بأمن جمهوره.
ومع الإقرار بأن كل عملية اغتيال إسرائيلية ناجحة ضد مقاومين هي «إنجاز» لجيش العدو، فإن ظروف الضفة، الأمنية والسياسية، تسلخ عنها صفة «الإنجاز» الاستثنائي. لكن إسرائيل بدت كأنها تحتفل باغتيال المقاومين، بل لتوفير مادة دسمة لهذا الاحتفال، حرصت الأجهزة المتخصصة على توثيق العملية بالتصوير، ثم بثّت قنوات التلفزة الفيلم، فضلاً عن المقاربة الاحتفائية للمواقع الإلكترونية التابعة للصحف الإسرائيلية ونقلها تفاصيل الحدث.
وتناولت التقارير العبرية تفاصيل العملية وفق المفردات المتوقعة في مثل هذه الحالات، وذلك على أنه «إغلاق حساب» لمقتل المستوطنين الثلاثة، إذ أكدت أنه في أعقاب «نشاط استخباري معقد» عثر على مكان اختباء القواسمي وأبو عيشة، ثم جرى اشتباك متبادل أصيبا فيه. لكن مصادر فلسطينية أكدت أن قوات الاحتلال أطلقت صاروخ «لاو» على المنزل الذي كان فيه الاثنان وشرعت في هدمه باستخدام آليات ثقيلة.
ونعت كتائب القسام (الأخبار)، ذراع «حماس» العسكرية، الشهيدين ببيان رسمي، وخرج آلاف من مواطني الخليل في تشييعهما، وفي مقدمة المسيرة شاركت والدة الشهيد أبو عيشة في حمل نعش ابنها، وذلك بعد تسليم الجيش الإسرائيلي الجثمانين عقب ساعات من احتجازهما.




في موازاة الإصرار الإسرائيلي على إطاحة سلطة حركة «حماس» في غزة، تعمل غالبية أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على الهدف نفسه. هذا ما يفيد به موقع «ديلي بيست» الذي ذكر أن 88 سيناتوراً نقلوا رسالة إلى وزير الخارجية جون كيري في هذا الإطار. وجاء في نص الرسالة: «علينا أن ندعم الجهود التي تتيح للسلطة فرض سيطرتها الفعلية على غزة، لأن حماس أظهرت باستمرار أنها ليست معنية بالسلام مع إسرائيل». وأشار الموقّعون إلى أنهم يساندون إرسال المساعدات الإنسانية إلى غزة، لكنهم يعارضون إعادة إعمار القطاع «قبل نزع سلاح حماس».
(الأخبار)