القاهرة | «نرفض الانضمام إلى الحملة التي تشنها الولايات المتحدة لمحاربة داعش»، بهذه العبارة الحازمة أكدت مصادر سيادية مصرية أن القاهرة «لن تنصاع لأوامر أميركا مجددا»، وأن الجيش المصري «لن يحارب خارج حدوده، لأن العقيدة العسكرية ثابتة ولن تتغير تحت أي ظرف». مع ذلك، استدركت هذه المصادر، في حديثها لـ«الأخبار» الموقف، وقالت إن التحرك سيكون وفق مصلحة مصر ودول المنطقة فقط.


ولا يعني توقيع مصر بيان التحالف الدولي المشترك لمواجهة «داعش» أنها ستتلقى تعليمات أميركية لتنفيذها. هكذا يرى صناع القرار في مصر المعادلة، بل يوضحون أن لكل «شيخ طريقة في علاج مشكلات الإرهاب». ومن أجل شرح الموقف أكثر أكدت المصادر أنه يجب قراءة خطاب وزير الخارجية، سامح شكري، جيدا. وكان شكري قد نبه أمس إلى أهمية مواجهة كل التنظيمات المسلحة التي تهدد المنطقة، وألا يكون الأمر محصورا عند «داعش»، كما لمح الوزير إلى ضرورة تجفيف منابع تمويل هذه الجماعات «قبل التحدث عن التصدي»، معلناً أن مصر هي الدولة الوحيدة التي قررت الحرب على الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط «ثم جمعت باقي الدول العربية في دائرة واحدة للتصدي للأعمال الإرهابية».
عادت تلك المصادر لتأخذ من حديث شكري منطلقا نحو شرح أن «داعش» لا تستطيع أن «تقف أمام كتيبة في الجيش المصري»، مشيرة الى أن التحالف الأطلسي له مآرب أخرى «لذلك لن ننساق في مؤامرة لضرب سوريا والعراق، والروس والصينيون سيقفون أيضا حجر عثرة أمام الهدف الأميركي». ولا تخفي هذه المصادر أن موافقة مصر على الانضمام إلى التحالف الدولي لا تعني الموافقة التامة على خطة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وبناء عليه «الأمر يتطلب مزيدا من التفكير لوضع رؤية مصرية تسهم في دحر الجماعات المسلحة من المنطقة بأكملها».


من يُرِد النجاح في دحر «داعش» فعليه تجفيف منابع تمويلها

في هذا السياق، يرى الباحث في شؤون الأمن القومي في جامعة القاهرة، محمد إبراهيم، أن مصر تنظر إلى التحالف ضد داعش على أنه «وليد نظرة ضيقة تسعى إلى تأديب التنظيم الدموي لمجرد خروجه عن النص المرسوم له وتهديده المباشر لمصالح واشنطن في العراق، لا انطلاقا من إيمان حقيقي بخطره على دول المنطقة».
من هنا يؤكد إبراهيم ضرورة أن يكون «التحرك ضد الإرهاب ضمن رؤية استراتيجية تستهدف بؤره على مستوى المنطقة ككل، لا تحركا بالقطعة يطارد الإرهاب في دولة ما ويتركه طليقا في أخرى»، مشيرا إلى ضرورة التعامل بالمثل مع «مخاطر الميليشيات المسلحة في ليبيا وسوريا». ويضيف قائلا: «نستغرب أن يعلن حلف الناتو الحرب على داعش فيما دولة عضو في الحلف، وهي تركيا، باتت المحطة الأهم في تجنيد أعضاء جدد في التنظيم»، مشيرا إلى أن المقاتلين الأجانب يجتمعون قبل التحاقهم بمعسكرات «الدواعش» لدى المعابر البرية بين تركيا وسوريا.
وتذكر المصادر المصرية أن رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي، السيناتور هوارد ماكيون، نقل إلى القاهرة مطلبا بالتنسيق مع إسرائيل لمحاربة «داعش» على ضوء مزاعم إسرائيلية عن وجود أعضاء من التنظيم في سيناء والأردن، «لكن مصر رفضت أي تعاون أمني أو استخباري مع الجانب الإسرائيلي». في مقابل ذلك، ذكرت مصادر عسكرية أخرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي، ومدير الاستخبارات العامة اللواء محمد التهامي، أبلغوا قادة الكونغرس أن مصر لديها القدرات والمعلومات الكافية بشأن «داعش»، وأن ما تردد في بعض الدوائر الإسرائيلية أخيراً غير صحيح.
كذلك لفتت المصادر إلى أن وفد الكونغرس تطرق خلال المباحثات إلى فكرة إنشاء قوات انتشار سريعة من عدة دول (مصر والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل)، وذلك لتوجيه ضربات سريعة واستباقية إلى داعش، لكن القاهرة تحفظت على مشاركة مصرية عسكرية في قوة مشتركة مع إسرائيل.
العقيد في الجيش المصري، حاتم صابر، يرى بدوره أن الاستخبارات الأميركية «استغلت ظاهرة الربيع العربي عبر إثارة الفتنة في الجيش السوري حتى انشق عدد من قادته، ثم انقسم الجيش المعارض لبشار الأسد إلى ثلاث جبهات، الأمر الذي سمح لداعش بدخول سوريا»، ويكمل: «لم تتدخل أميركا في الحرب إلا بعدما استشعرت الخطر على مصالحها ومصالح إسرائيل».
ويقدم صابر قراءة لاستراتيجة «داعش»، بالإشارة إلى أن قادة هذا التنظيم «يضعون لأنفسهم خططا مستحيلة لا تناسب إمكاناتهم، ما سبب لهم صراعات مع الدول المجاورة»، مشددا على أن عناصر «الدولة الإسلامية» سيقضى عليهم سريعا، «لأن أعدادهم قليلة مقارنة بخططهم المعلنة، كما أنهم لا يستخدمون التكنولوجيا، لذلك تستطيع أميركا استهدافهم بسهولة دون الحاجة إلى جيوش المنطقة العربية... هكذا تكون داعش قد وقعت في خطأ تعدد أعدائها وتجميعهم ضدها في صف واحد».