بعد غياب من الخيبات، عاد «الائتلاف السوري» ليطلّ برأسه من جديد. أعطته خطة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لـ «الحرب» على «داعش»، الأمل بفرصةٍ سياسيةٍ بدا أنها انتهت مع الانتخابات الرئاسية في سوريا مطلع حزيران الماضي. خطة أوباما لضرب «داعش» في سوريا من دون التنسيق مع النظام، والتأكيد على أنه فقد شرعيته، والاتفاق الأميركي ــــ السعودي على تدريب قوات للمعارضة المعتدلة وتجهيزها وتمويلها؛ كلها صبّت في تحريك جثثها؛ بيان «الائتلاف» الترحيبي بخطة أوباما، زاد بأن الحصول «على منطقة مستقرة وخالية من المتطرفين تتطلب إضعاف نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد، وإسقاطه».


الطلب واضح: استخدام «الحرب» الوهمية على «داعش» للقيام بحرب فعلية ضد الجيش العربي السوري. لا يزال «الائتلاف»، إذاً، يرفل في الأوهام؛ فالحسابات الاستراتيجية الأميركية لا تسمح بالموافقة على هذا الطلب؛ إذ أن القرار الدولي 2170 لا يغطيه، وسيكون على واشنطن، حينها، أن تقبل التحدي الروسي ــــ الإيراني، بل وإمكانية الانزلاق إلى مواجهة مع السوريين، هي خارج الخطة.
الأميركيون يفكرون بطريقة أخرى، أكثر واقعية؛ إنهم يريدون «حرباً» مدتها ثلاث سنوات، على الرغم من أنه يمكن حسمها ــــ بالتعاون مع دمشق وطهران وموسكو ــــ في ثلاثة أشهر؛ لكن القرار الأميركي ــــ الأطلسي هو عدم التعاون، بل شنّ صراع مديد مع حلف المقاومة زائد روسيا، تحت يافطة محاربة الإرهاب، وفي الواقع ضبطه في سياق استخدامه من أجل إعادة هيكلة النظام العراقي، وجيشه ومؤسساته واستثماراته، على المقاس الأميركي. وهي عملية بدأت بالفعل. وفي الأثناء، واضح أن الخطة الأميركية نحو سوريا، لا تزيد عن إدامة العدوان على هذا البلد، ثلاث سنوات أخرى، يُنتظَر أنها تكفي لإحداث تغييرات في موازين القوى لصالح الحلف الأميركي ــــ السعودي. ولتحقيق هذا الغرض، يبدو من الصعب الاستغناء عن الإرهابيين للقتال في سوريا، أولاً، لأنهم الأكثر كفاءة وتماسكاً في القتال، وثانياً، لأن تجهيز كتائب «المعارضة المعتدلة» هو برنامج معقد وطويل المدى، والمطلوب من تلك الكتائب كثير جدا؛ أي مواجهة «داعش» و«النصرة» والجيش العربي السوري معاً؛ أي أننا نتحدث عن قوة عسكرية جبارة من حيث العديد والعدة والتدريب النوعي الكثيف والتثقيف السياسي؛ هل يبدو ذلك واقعياً؟
تكتيكات «الحرب» التي تعتمدها خطة أوباما، والقائمة على الطلعات الجوية، وخصوصاً استخدام الطائرات من دون طيّار، ليست مؤهلة للقضاء على الإرهابيين، كما أثبتت التجربة في أفغانستان وباكستان واليمن؛ سيعتمد الانجاز الميداني على قدرات الجيش العراقي ــــ الذي ستُعاد هيكلته في برنامج مديد أيضا ــــ لكن ضربات أميركية لتجمعات «داعش» في سوريا، ستؤدي، موضوعياً، إلى تحسين ظروف القتال بالنسبة للجيش السوري؛ التنسيق الميداني لا غنىً عنه للطرفين؛ فسلاح الجو السوري يقوم بقصف مواقع «داعش» أيضاً؛ تبدو الخطة كلها كلعبة، لكن مضمونها السياسي هو الأهم؛ الولايات المتحدة التي استخدمت الإرهابيين ضد سوريا والعراق وإيران، ستواصل الابقاء على المناخ الذي يسمح باستمرار الفوضى في الأراضي السورية والعراقية، حتى تحقيق أهداف جيوسياسية تكسر الحلف الممتد من موسكو إلى جنوب لبنان.
الخطة الأميركية في العراق وسوريا، لا تخرج عن الصراع العالمي الذي يستعيد الحرب الباردة مع روسيا، والصراع الدامي مع إيران؛ العدوتان الأكثر قوة دولياً واقليمياً، تردّان بتمتين التحالف الثنائي: تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، وكذلك بالذهاب نحو خطوة تتحدى الدولار واليورو، عن طريق التبادل بالروبل والريال.
تظهر روسيا عضلاتها الصاروخية؛ نائب وزير الدفاع يؤكد «امتلاك موسكو قدرة على توجيه ضربة عسكرية خاطفة على مستوى العالم»، والخارجية الروسية تبعث برسالة صريحة: «الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق يجب أن تلتزم بالقانون الدولي وأن تحترم سيادة الدولتين».
إنما كل ذلك يظل أقلّ ــــ بكثير ــــ من التحدي الذي تفرضه الولايات المتحدة على روسيا وإيران؛ فإذا لم تبادرا إلى الفعل الآن، سيتم تقويض العديد من الانجازات العسكرية والسياسية التي حققتها الدولتان خلال السنوات الأخيرة من الصراع الدولي والإقليمي؛ ولا بد من رد بحجم التحدي؛ على كل حال، يتيح القرار الدولي 2170 لموسكو وطهران أن تشكلا مع سوريا، تحالفاً موازياً لضرب «داعش» و«النصرة» في سوريا والعراق، وذلك باستخدام القصف الجوي، وتدريب وتجهيز كتائب مقاتلة من القوى العلمانية والقومية المؤيدة للخط السياسي للتحالف الروسي ــــ الإيراني.